الجمعة, 2 أكتوبر 2026, 17:50
الرئيسية نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : متصدقش !!

«متصدقش».. الشائعة كسلاح في حروب الجيل الجديد

بقلم اللواء / شريف جمجوم

خبير أمني واستراتيجي

تكشف واقعة ضبط ستة أشخاص قالت وزارة الداخلية إنهم يعملون ضمن لجنة إعلامية مرتبطة بجماعة الإخوان لصالح صفحة «متصدقش» التي تُدار من الخارج، عن جانب مهم من طبيعة الصراعات الحديثة؛ حيث لم تعد المواجهة بين الدول والتنظيمات تُدار بالسلاح وحده، وإنما أصبحت المعلومة والشائعة والرواية الإعلامية أدوات مؤثرة في الصراع على وعي المجتمع.

ما أعلنته وزارة الداخلية بشأن وجود عناصر داخل مصر تقوم بإعداد مواد مغلوطة ومفبركة وإرسالها إلى جهة تدير الصفحة من الخارج، مقابل تمويل مالي، يلفت النظر إلى نموذج يتجاوز فكرة «المنشور الكاذب» العابر؛ إذ يشير ــ إذا أثبتته التحقيقات والأدلة أمام القضاء ــ إلى توظيف منظم للفضاء الرقمي في التأثير على الرأي العام.

من الحرب التقليدية إلى حرب الوعي

في الحروب الحديثة، لم يعد الهدف بالضرورة السيطرة على الأرض، وإنما قد يكون التأثير في إرادة المجتمع وإرباك قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف.

وهنا تظهر حروب المعلومات والحرب النفسية، وهي أدوات يمكن أن تعمل بالتوازي مع أدوات سياسية واقتصادية وأمنية. وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية لهذا النوع من الصراع بسبب سرعة انتشار المحتوى، وقدرة الشائعة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات، وصعوبة التحقق من مصدرها بالنسبة إلى المستخدم العادي.

والخطورة أن الشائعة لا تحتاج دائمًا إلى اختلاق قصة كاملة؛ فقد تبدأ بمعلومة صحيحة، ثم يجري اجتزاؤها من سياقها، أو خلطها بمعلومة كاذبة، أو تقديم تفسير مضلل لها، ثم إعادة نشرها بصورة متكررة حتى تتحول في أذهان البعض إلى حقيقة.

لماذا تمثل الشائعة خطرًا على المجتمع؟

الشائعة الناجحة لا تستهدف عقل الفرد فقط، وإنما تستهدف الثقة العامة.

فإذا تكررت الشائعات حول الاقتصاد أو الأمن أو مؤسسات الدولة أو الأزمات الاجتماعية، فإن الهدف قد يصبح خلق حالة دائمة من الشك والقلق، بحيث يفقد المواطن ثقته في كل ما يسمعه، سواء كان صحيحًا أم خاطئًا.

وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته بـ«تسليح المعلومات»: استخدام المعلومة ليس بهدف إخبار الجمهور، وإنما بهدف توجيه مشاعره وسلوكه وإدراكه للواقع.

البعد الإخواني في الواقعة

وفقًا للرواية التي أعلنتها وزارة الداخلية، فإن «متصدقش» ليست مجرد منصة مستقلة أخطأت في نشر بعض المعلومات، وإنما جزء من لجنة إعلامية مرتبطة بجماعة الإخوان، تُدار من الخارج ويشارك في إعداد محتواها عناصر داخل البلاد، مع وجود تمويل خارجي بحسب التحريات التي أعلنتها الوزارة.

وإذا انتهت التحقيقات إلى إثبات هذه الوقائع، فإن دلالتها الأمنية تتجاوز الصفحة نفسها؛ لأنها تعني وجود شبكة تأثير عابرة للحدود تستخدم الأدوات الرقمية في معركة تستهدف المجال المعلوماتي المصري.

وهذا تحديدًا هو أحد أوجه تطور الحروب الحديثة: أن يتحول الهاتف المحمول ومنصة التواصل الاجتماعي إلى وسيلة يمكن من خلالها خوض معركة على وعي ملايين المواطنين دون إطلاق رصاصة واحدة.

الخطر الأكبر: فقدان الثقة

الخطر الحقيقي ليس في شائعة واحدة؛ فالشائعة يمكن تكذيبها.

لكن الخطر يبدأ عندما تتراكم الشائعات بصورة منهجية، ويتحول المجتمع إلى بيئة يسودها الشك، ويصبح كل خبر قابلًا للتصديق أو التكذيب وفقًا للموقف السياسي وليس وفقًا للأدلة.

ومن هنا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، وإنما تحتاج أيضًا إلى إعلام مهني سريع في الرد، ومصادر رسمية شفافة، وأدوات للتحقق الرقمي، ووعي شعبي بمخاطر تداول المعلومات قبل التأكد من مصدرها.

معركة الوعي

تكشف واقعة «متصدقش» أن المعركة القادمة لن تكون فقط مع من يحمل السلاح، وإنما أيضًا مع من يستطيع التأثير في ملايين العقول من خلف شاشة.

ولهذا فإن حماية الأمن القومي في عصر حروب المعلومات تعني، في جانب أساسي منها، حماية وعي المواطن.

فالمجتمع الذي يستطيع التحقق من الخبر، ومعرفة مصدره، والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية، يصبح أقل قابلية للاختراق بالشائعات.

أما جماعات وتنظيمات تستخدم الكذب والتضليل والتحريض وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، فإن استمرارها في هذا المسار قد يؤدي إلى إضعاف الثقة داخل المجتمع وزيادة الاستقطاب وإرباك المجال العام، وهو ما يجعل التصدي لها مسؤولية أمنية وإعلامية ومجتمعية في آن واحد.

وفي النهاية، فإن أخطر أسلحة حروب الجيل الجديد قد لا تكون دبابة أو صاروخًا، وإنما معلومة كاذبة تصل إلى ملايين الناس في اللحظة المناسبة.

ولهذا فإن معركة مصر ضد الشائعات ليست معركة ضد منشور أو صفحة بعينها، وإنما هي معركة أوسع من أجل حماية العقل الجمعي للمجتمع من التلاعب والتضليل