الثلاثاء, 25 أغسطس 2026, 15:45
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : هل تصبح مصر عقدة الربط في الاقتصاد العالمي الجديد؟

الحزام والطريق وبريكس.. هل تصبح مصر عقدة الربط في الاقتصاد العالمي الجديد؟

بقلم : اللواء شريف جمجوم

خبير أمني وإستراتيجي

لم تعد مبادرة «الحزام والطريق» الصينية مجرد مشروع ضخم للبنية التحتية، كما لم تعد مجموعة «بريكس» مجرد تجمع للدول الصاعدة. فخلال السنوات الأخيرة أخذ المساران يكتسبان أهمية متزايدة في عملية أوسع لإعادة تشكيل خرائط التجارة والاستثمار وموازين القوة الاقتصادية في العالم.

وبينما تتحرك الصين لتوسيع شبكاتها التجارية والاستثمارية عبر مبادرة الحزام والطريق، تتسع مجموعة بريكس لتضم اقتصادات ودولًا ذات ثقل متزايد في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفي نقطة التقاطع بين هذين المسارين، تبرز مصر بوصفها دولة تمتلك ميزة يصعب تعويضها: الموقع الجغرافي الاستثنائي.

فمصر لا تقع فقط على أحد أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب، وإنما تسيطر على قناة السويس، التي تمثل أحد أهم الممرات البحرية في التجارة العالمية، وتجمع في الوقت ذاته بين العمق العربي والأفريقي، والانفتاح على البحر المتوسط، والقرب من الأسواق الأوروبية والآسيوية.

ومن هنا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت مصر تستطيع الاستفادة من الحزام والطريق أو بريكس، وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع القاهرة تحويل موقعها الجغرافي إلى مركز اقتصادي فاعل في النظام العالمي الذي يتشكل؟

الحزام والطريق وبريكس.. تكامل أكثر منه تطابقًا

من الخطأ النظر إلى مبادرة الحزام والطريق ومجموعة بريكس باعتبارهما مشروعًا واحدًا أو مؤسستين متطابقتين.

فالحزام والطريق شبكة واسعة من مشروعات التعاون في البنية التحتية والتجارة والاستثمار والطاقة والاتصالات، بينما تمثل بريكس إطارًا للتعاون السياسي والاقتصادي بين مجموعة من الاقتصادات الكبرى والصاعدة.

لكن بينهما مساحة واسعة من التكامل ، فالحزام والطريق توفر الممرات والبنية التحتية وشبكات النقل والطاقة وسلاسل الإمداد، في حين توفر بريكس إطارًا أوسع للتعاون الاقتصادي والتجاري والمالي بين الدول الأعضاء.

وبعبارة أكثر اختصارًا: الحزام والطريق تبني شبكات الحركة، وبريكس توسع شبكة الأسواق والشراكات.

ومن هنا يمكن أن تتشكل، تدريجيًا، منظومة اقتصادية عابرة للقارات، تمتد من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتفتح أمام الدول المشاركة خيارات أوسع في التجارة والاستثمار والتمويل.

الصين.. نقطة الالتقاء الرئيسية

تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة لأن الصين تقع في قلب المسارين.

فهي القوة الاقتصادية الأكبر داخل بريكس، وهي في الوقت نفسه صاحبة مبادرة الحزام والطريق وأكبر محركاتها.

أما مصر، فقد بنت خلال السنوات الماضية شراكة استراتيجية متنامية مع الصين، وأصبحت عضوًا في بريكس منذ عام 2024.

وهنا تتقاطع ثلاثة عناصر بالغة الأهمية:

الصين، وبريكس، ومصر.

لكن أهمية مصر لا تأتي فقط من عضويتها في بريكس أو علاقاتها مع الصين، وإنما من موقعها الذي يتيح لها الربط بين عدة دوائر اقتصادية في وقت واحد:

آسيا – الشرق الأوسط – أفريقيا – البحر المتوسط – أوروبا.

وهذه الميزة تجعل مصر مرشحة للقيام بدور يتجاوز حدود العلاقة الثنائية مع الصين، لتصبح جزءًا من شبكة أوسع لإعادة تشكيل طرق التجارة والاستثمار.

قناة السويس.. من ممر ملاحي إلى أصل جيو-اقتصادي

على مدى عقود، ارتبطت أهمية قناة السويس برسوم العبور وحركة السفن التي تمر من خلالها ، لكن التحولات الحالية تفرض رؤية أوسع ، فقيمة القناة لا تكمن فقط في أن السفينة الصينية تستطيع الوصول إلى أوروبا عبرها، وإنما في إمكانية بناء منظومة اقتصادية كاملة حول هذا الطريق.

وهنا تأتي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها الحلقة التي يمكن أن تنقل مصر من مفهوم «دولة العبور» إلى مفهوم «مركز الإنتاج والخدمات اللوجستية».

فالهدف الاستراتيجي ليس أن تمر البضائع الصينية عبر مصر فحسب، وإنما أن تتمكن الشركات الصينية والآسيوية من:

التصنيع في مصر، والتخزين والتوزيع عبر موانئها، والوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية، والتصدير إلى أوروبا، والاستفادة من شبكة الاتفاقيات التجارية المصرية.

إذا تحقق ذلك على نطاق واسع، فإن قناة السويس لن تكون مجرد طريق تختصره السفن، بل ستصبح محورًا تتجمع حوله سلاسل القيمة والإنتاج والتوزيع.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. الاختبار الحقيقي

قد تكون هذه المنطقة هي الورقة الاقتصادية الأكثر أهمية في المعادلة المصرية ، فمصر تمتلك بالفعل الميزة الجغرافية، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الميزة إلى قيمة مضافة.

وهذا يعني الانتقال تدريجيًا من: رسوم العبور إلى عوائد التصنيع.

ومن الموانئ إلى المناطق الصناعية ، ومن التجارة العابرة إلى التجارة ذات القيمة المضافة ، ومن الاستثمار في البنية الأساسية إلى جذب سلاسل الإنتاج العالمية.

ومن هنا فإن جذب الشركات الصينية لا ينبغي أن يقتصر على مشروعات المقاولات أو إنشاء المصانع، وإنما يجب أن يمتد إلى توطين صناعات موجهة للتصدير، ونقل التكنولوجيا، وإنشاء مراكز إقليمية للتوزيع والخدمات والبحث والتطوير.

أفريقيا.. البعد الذي قد يضاعف القيمة المصرية

إذا كانت أوروبا تمثل أحد أهم الأسواق التي تمر عبر قناة السويس، فإن أفريقيا قد تكون المجال الأكثر قابلية للنمو خلال العقود المقبلة.

القارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وسوقًا سكانية متزايدة، واحتياجات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعة.

وهنا يمكن لمصر أن تؤدي دور «البوابة» التي تربط الاستثمارات الآسيوية بالأسواق الأفريقية.

فالشركة الصينية التي تنتج في مصر تستطيع أن تنظر إلى السوق المصرية باعتبارها نقطة انطلاق، وليس مجرد سوق نهائية.

وهذا يفتح أمام مصر نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا:

الصين → مصر → أفريقيا.

بدلًا من أن تكون المعادلة:

الصين → قناة السويس → أوروبا.

والفارق بين النموذجين كبير؛ لأن الأول يضع مصر داخل سلسلة الإنتاج والتوزيع، وليس فقط داخل طريق التجارة.

الطاقة والتكنولوجيا.. الجيل الجديد من الحزام والطريق لا تتوقف المنافسة الاقتصادية الجديدة عند الطرق والموانئ.

فالحزام والطريق نفسه يشهد تحولًا تدريجيًا نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والصناعات الجديدة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والسيارات الكهربائية وبعض الصناعات المرتبطة بالتحول الأخضر.

وهنا تمتلك مصر فرصًا واعدة ، فمصر لديها موارد كبيرة من الطاقة الشمسية والرياح، وموقع مناسب لإنتاج وتصدير الطاقة، إلى جانب شبكة من الموانئ والمناطق الصناعية.

ومن ثم فإن الشراكة المصرية الصينية يمكن أن تنتقل من إنشاء البنية الأساسية إلى التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا.

وهذا هو الاستثمار الذي تحتاجه مصر بشدة: استثمار يخلق إنتاجًا وصادرات وفرص عمل ونقلًا للمعرفة، وليس مجرد أصول إنشائية.

بريكس.. العضوية ليست الهدف وإنما الأداة

انضمام مصر إلى بريكس يمثل فرصة، لكنه لا يمثل في حد ذاته مكسبًا اقتصاديًا تلقائيًا.

فالعضوية لا تخلق الاستثمارات بمجرد وجودها، ولا تزيد الصادرات بصورة آلية.

القيمة الحقيقية تكمن في قدرة مصر على استخدام عضويتها لتطوير: التجارة البينية،والاستثمارات المشتركة، والتمويل، والتصنيع المشترك، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد.

كما يمكن أن توفر المجموعة مجالًا أوسع للتعاون المالي والتجاري بين اقتصادات كبيرة، بما يساعد على تنويع الشراكات الخارجية وتقليل الاعتماد على سوق واحدة أو مصدر واحد للتمويل والاستثمار.

وهنا ينبغي لمصر أن تتعامل مع بريكس باعتبارها أداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية، لا باعتبارها هدفًا في حد ذاته.

المخاطر والتحديات.. لماذا لا يكفي الموقع وحده؟

رغم الفرص الكبيرة، فإن تحول مصر إلى مركز إقليمي يواجه مخاطر قد تحد من سرعة هذا التحول أو تقلل من عوائده.

أول هذه المخاطر هو ارتفاع أعباء الديون وتكلفة التمويل، إذ قد يؤدي الاعتماد المفرط على الاقتراض لتمويل مشروعات البنية الأساسية إلى تقليص الموارد المتاحة للاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والصناعة، كما قد يجعل العوائد المستقبلية من الموانئ والمناطق الاقتصادية موجهة جزئيًا إلى خدمة الدين بدلًا من تمويل التنمية.

وتتمثل المشكلة الثانية في شدة المنافسة الإقليمية والدولية؛ فموانئ ومراكز لوجستية في الخليج وشرق المتوسط وشرق أفريقيا تطور بنيتها التحتية وتقدم حوافز ضريبية وإجرائية لجذب الشركات نفسها التي تستهدفها مصر، بينما تعمل دول أخرى على إنشاء ممرات بديلة قد تقلل من احتكار أي طريق تجاري واحد.

أما التحدي الثالث فيتعلق بضعف سلاسل القيمة المحلية. فمرور البضائع أو تجميع المنتجات في مصر لا يعني بالضرورة اندماج الاقتصاد المحلي في الإنتاج العالمي، ما لم ترتفع نسبة المكونات المحلية، وتتطور مهارات العمالة، وتزداد قدرة الشركات المصرية على تلبية معايير الجودة والتصدير. وإذا ظلت الاستثمارات تعتمد على استيراد معظم المدخلات والتكنولوجيا، فقد تتحول المناطق الصناعية إلى منصات تجميع محدودة الأثر بدلًا من أن تصبح مراكز إنتاج حقيقية.

كما تظل البيروقراطية، وعدم استقرار السياسات، وصعوبة الحصول على العملة الأجنبية، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، عوامل قد تضعف ثقة المستثمرين وتحد من قدرة مصر على منافسة مراكز أكثر مرونة. ويضاف إلى ذلك تعرض التجارة العالمية للصدمات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة وتغير مسارات الشحن، بما يجعل الاعتماد على إيرادات العبور وحدها استراتيجية شديدة الحساسية.

لذلك فإن نجاح مصر لن يقاس بعدد الموانئ أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرتها على إدارة الدين، وتحسين بيئة الأعمال، وبناء قاعدة صناعية محلية، وربط المشروعات الكبرى بالشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحويل الاستثمارات الأجنبية إلى إنتاج وصادرات ونقل معرفة. ومن دون ذلك قد تظل مصر موقعًا مهمًا على خريطة التجارة، من دون أن تصبح مركزًا مؤثرًا في سلاسل القيمة العالمية.

لكن المنافسة لا تنتظر رغم كل هذه الفرص، فإن الطريق ليس مضمونًا ، فالممرات التجارية الجديدة أصبحت جزءًا من المنافسة الجيوسياسية العالمية.

الهند تطور رؤيتها الخاصة للربط بين آسيا وأوروبا، والاتحاد الأوروبي يطرح مبادرات لتعزيز نفوذه في البنية التحتية العالمية، كما تتنافس القوى الكبرى على الموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا ، إلى جانب ذلك، أثبتت الأزمات الأخيرة أن طرق التجارة العالمية ليست محصنة ضد الحروب والاضطرابات الجيوسياسية.

وهذا يعني أن الميزة الجغرافية لم تعد وحدها كافية ، فالموقع يمنح مصر الفرصة، لكن الكفاءة هي التي تحدد حجم الاستفادة منها.

ماذا تحتاج مصر؟

إذا أرادت القاهرة أن تتحول إلى مركز حقيقي في هذه الشبكة الاقتصادية، فإن الأولوية يجب أن تكون لجذب سلاسل القيمة وليس مجرد رؤوس الأموال.

أي جذب الشركات التي تصنع وتصدر وتستخدم العمالة المحلية وتنقل التكنولوجيا، وليس فقط الشركات التي تنفذ مشروعات بنية أساسية.

كما تحتاج مصر إلى تطوير منظومة متكاملة تشمل الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والتخزين والخدمات اللوجستية والجمارك الرقمية والطاقة والاتصالات والتمويل.

فالمستثمر العالمي لا يبحث فقط عن موقع جيد، وإنما عن منظومة متكاملة منخفضة التكلفة وسريعة وموثوقة ، وهنا تحديدًا يمكن لمصر أن تحقق فارقًا حقيقيًا ، مصر أمام لحظة جيو-اقتصادية نادرة ، العالم يتغير بسرعة.

الصين تعزز حضورها الاقتصادي العالمي، وبريكس تتوسع، وسلاسل الإمداد يعاد توزيعها، والممرات التجارية تتنافس على جذب التجارة والاستثمارات.

وفي قلب هذه التحولات تمتلك مصر ثلاث أوراق استراتيجية نادرة:

قناة السويس، والموقع الجغرافي، والقدرة على الربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

لكن امتلاك الأوراق لا يعني بالضرورة الفوز بالنتيجة.

التحدي الحقيقي هو تحويل: الجغرافيا إلى لوجستيات، واللوجستيات إلى صناعة، والصناعة إلى صادرات، والصادرات إلى قوة اقتصادية، والقوة الاقتصادية إلى نفوذ جيوسياسي.

إذا نجحت مصر في ذلك، فلن تكون مجرد دولة تقع على طريق الحزام والطريق، ولا مجرد عضو في بريكس.

بل يمكن أن تصبح إحدى أهم عقد الربط في الاقتصاد العالمي الجديد. وهنا ربما يكون السؤال الأهم للمستقبل: هل تستطيع مصر أن تجعل من قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها نقطة التقاء بين الحزام والطريق وبريكس، وأن تحول موقعها الجغرافي الفريد من ميزة تاريخية إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية مستدامة؟

الإجابة لن تحدد فقط حجم استفادة مصر من التحولات الجارية، وإنما قد تحدد أيضًا مكانتها في خريطة الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة