الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026, 11:51
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : مصر من إدارة الأزمات إلى صناعة النفوذ

مصر من إدارة الأزمات إلى صناعة النفوذ

بقلم اللواء / شريف جمجوم

خبير أمنى واستراتيجي

لم تعد السياسة الخارجية في عالم اليوم مجرد مواقف دبلوماسية تجاه الأحداث، وإنما أصبحت انعكاسًا مباشرًا لقوة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها والتأثير في محيطها.

ومصر، بحكم موقعها وثقلها السياسي والعسكري والثقافي، تقف في قلب واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم. فمن غزة وفلسطين إلى السودان وليبيا، ومن البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى حوض النيل والبحر المتوسط، تتقاطع ملفات الأمن القومي المصري مع أزمات إقليمية ودولية متشابكة.

وفي الوقت نفسه، يتغير النظام الدولي نفسه؛ فالصعود المتواصل للصين والهند والقوى الآسيوية، واتساع مجموعة بريكس، وتنامي المنافسة بين القوى الكبرى على الأسواق وممرات التجارة والطاقة، كلها تفرض على القاهرة إعادة تقييم أدوات الحركة دون التخلي عن ثوابتها.

وتظل الثوابت المصرية واضحة: احترام القانون الدولي وسيادة الدول، دعم السلام والاستقرار، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحفاظ على استقلال القرار الوطني، مع ربط العلاقات الخارجية بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية المصرية.

لكن ثبات المبادئ لا يعني جمود الأدوات.

فالدبلوماسية وحدها لا تكفي إذا لم تسندها قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية، كما أن القوة لا تعني بالضرورة الحرب، وإنما تمنح الدولة قدرة أكبر على الردع والتفاوض والحركة.

فلسطين.. قلب المعادلة

تظل القضية الفلسطينية في صدارة الملفات التي تمس الأمن القومي المصري. وقد أثبتت تطورات غزة أن القضية لم تعد صراعًا فلسطينيًا إسرائيليًا فحسب، وإنما أصبحت مرتبطة بأمن المنطقة ومستقبل نظامها الإقليمي.

وتواصل القاهرة تحركها السياسي والإنساني، مع التمسك برفض التهجير ودعم إقامة الدولة الفلسطينية، والسعي إلى تثبيت التهدئة وإعادة الإعمار، والمشاركة في ترتيبات المرحلة التالية للحرب. كما تستمر مصر في العمل مع الأطراف العربية والدولية من أجل تنفيذ المسار السياسي المرتبط بغزة، في ظل استمرار الخلافات حول آليات التنفيذ والوضع الميداني.

ومن هنا فإن الدور المصري لا ينبغي أن يقتصر على الوساطة، بل يجب أن يمتد إلى التأثير في شكل التسوية الإقليمية التي ستنشأ عن الحرب، بما يحفظ الحقوق الفلسطينية ويمنع تحويل الأزمة إلى واقع جغرافي وسياسي جديد على حساب الأمن المصري.

السودان وليبيا.. أمن الحدود يبدأ من استقرار الجوار

في السودان، لم يعد الأمر مجرد أزمة داخل دولة مجاورة؛ فاستمرار الحرب يهدد وحدة الدولة ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية وتوسع الفوضى المسلحة، بما ينعكس مباشرة على أمن مصر والبحر الأحمر وحوض النيل.

وفي 28 أغسطس 2026، جددت القاهرة رسميًا تمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ودعت إلى مسار سياسي سوداني خالص بعيدًا عن التدخلات الخارجية، بالتزامن مع التشديد على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

أما ليبيا، فالمعادلة المصرية أكثر وضوحًا: دولة ليبية موحدة ومستقرة، ومؤسسات وطنية قادرة على حماية حدودها، وتسوية سياسية تنهي الانقسام.

وفي الحالتين، تحتاج القاهرة إلى الجمع بين الحزم والمرونة، ودعم استقرار الجوار دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة تستنزف القدرات المصرية.

البحر الأحمر.. حين تتحول الجغرافيا إلى قوة

أظهرت التطورات الأخيرة أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح ساحة رئيسية للتنافس الأمني والاستراتيجي.

وأي اضطراب طويل في الملاحة ينعكس مباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري. بل إن التصعيد الإقليمي خلال 2026 وضع مصر أمام ضغوط متزامنة من غزة والبحر الأحمر والخليج، بما جعل أمن الممرات البحرية جزءًا مباشرًا من الأمن الاقتصادي المصري.

ومن ثم فإن تعزيز العلاقات مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ودعم أمن الملاحة، وتوسيع الحضور المصري في الصومال وجيبوتي وإريتريا ودول المنطقة، لم يعد نشاطًا دبلوماسيًا هامشيًا، وإنما ضرورة استراتيجية.

فـقناة السويس ليست مجرد مصدر للإيرادات؛ إنها واحدة من أهم أوراق النفوذ الجيوسياسي المصري.

مياه النيل.. أمن لا يحتمل المغامرة

يبقى الأمن المائي القضية الأكثر حساسية في منظومة الأمن القومي المصري.

والتطور الأخطر في المرحلة الحالية أن الجدل لم يعد محصورًا في سد النهضة وحده، بل بدأ يمتد إلى خطط إثيوبية لإنشاء مشروعات مائية جديدة على النيل الأزرق، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للنزاع.

ومن ثم فإن التعامل مع الملف يحتاج إلى استراتيجية متعددة الأدوات: مفاوضات، وتحرك دولي وأفريقي، وبناء مصالح مع دول حوض النيل، وتعاون مع السودان، إلى جانب تعزيز القدرات المصرية في التحلية وإعادة استخدام المياه وتقليل الفاقد.

والهدف ليس منع التنمية في دول الحوض، وإنما ترسيخ قاعدة أساسية: لا يجوز أن تتحول التنمية في دولة إلى تهديد وجودي لدولة أخرى.

أفريقيا.. النفوذ الذي يُبنى بالمصالح

تحتاج مصر إلى الانتقال في أفريقيا من الحضور السياسي إلى بناء شبكة مصالح اقتصادية وتنموية طويلة الأجل.

فالاستثمار في الطاقة والزراعة والصناعة والنقل والصحة والتعليم والتكنولوجيا، إلى جانب نقل الخبرات المصرية وربط الأسواق والبنية الأساسية، يمكن أن يجعل الحضور المصري أكثر رسوخًا.

وفي هذا السياق، تزداد أهمية القرن الأفريقي، ليس فقط باعتباره بوابة لحوض النيل، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية.

وقد كثفت القاهرة خلال أغسطس تحركاتها مع السودان والصومال وأوغندا وكينيا وجيبوتي وغيرها، في إطار مقاربة تبدو أكثر ترابطًا بين النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

أوروبا.. شراكة تتجاوز الاقتصاد

تطورت العلاقة المصرية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر استراتيجية.

ففي مارس 2026 عُقد أول حوار أمني ودفاعي بين مصر والاتحاد الأوروبي، وتناول ملفات غزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر واليمن، إلى جانب قضايا الأمن والدفاع.

وهذا التطور مهم؛ لأنه يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن استقرار المتوسط والشرق الأوسط والبحر الأحمر يرتبط بدرجة كبيرة بالدور المصري.

وفي المقابل، تحتاج القاهرة إلى تعظيم هذه الشراكة اقتصاديًا وأمنيًا، مع الحفاظ على استقلال قرارها وتعدد خياراتها.

واشنطن والشرق.. شراكات بلا ارتهان

تظل الولايات المتحدة شريكًا رئيسيًا لمصر، لكن التحولات الدولية تجعل من الضروري توسيع شبكة العلاقات بدل الاعتماد على مركز قوة واحد.

فالقاهرة ليست مطالبة بالاختيار بين الشرق والغرب، وإنما بتعظيم مصالحها مع الجميع: الولايات المتحدة وأوروبا، والصين وروسيا والهند، والدول العربية والخليجية، والدول الأفريقية.

تنويع الشراكات لا يعني تغيير الحلفاء، بل توسيع الخيارات.

وهذا هو جوهر الاستقلال الاستراتيجي: أن تمتلك مصر من البدائل ما يمنع تحويل العلاقة مع أي قوة دولية إلى تبعية.

الصين وبريكس.. من تنويع العلاقات إلى بناء القوة الاقتصادية

تكتسب الشراكة مع الصين أهمية استثنائية في هذه المرحلة.

فزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى مصر خلال الفترة من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر 2026، وهي الأولى له إلى القاهرة منذ 2016، تتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتأتي في وقت تتوسع فيه الشراكة في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والتصنيع والذكاء الاصطناعي.

وفي بريكس، شاركت مصر في أغسطس في اجتماعات وزراء التجارة، مع التركيز على تحويل العضوية إلى فرص عملية لزيادة الصادرات والاستثمارات والتكامل الاقتصادي وتعزيز تنافسية الشركات المصرية.

وهنا تكمن الفرصة الحقيقية: ألا يكون الهدف مجرد زيادة حجم التجارة، وإنما نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وزيادة الصادرات، والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.

الداخل هو نقطة الانطلاق

لا يمكن بناء نفوذ خارجي مستدام من دون قوة داخلية.

فالاقتصاد القوي، والصناعة المتقدمة، والأمن الغذائي والمائي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، وكفاءة المؤسسات، كلها عناصر من عناصر الأمن القومي.

ومن هنا فإن مكافحة الفساد، ورفع كفاءة الإدارة، وتعميق التصنيع المحلي، وتشجيع الاستثمار، وتطوير التعليم والبحث العلمي، ليست ملفات داخلية منفصلة عن السياسة الخارجية، بل هي الأساس الذي يمنح مصر قدرة أكبر على الحركة والاستقلال.

كما أن تنويع مصادر التسليح والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار يقلل من قدرة أي طرف على ممارسة ضغوط أحادية على القاهرة.

الردع لحماية الدبلوماسية

القوة العسكرية ليست هدفًا في حد ذاتها، والردع لا يعني الرغبة في الحرب.

الدولة القوية هي التي تستطيع استخدام الدبلوماسية عندما تكون كافية، والاقتصاد عندما يكون أكثر تأثيرًا، والتحالفات عندما تحتاج إلى حشد المساندة، والردع عندما تتعرض مصالحها الحيوية للخطر.

وكلما امتلكت مصر خيارات أكثر، أصبحت قدرتها على تجنب الصدام أكبر، وأصبحت دبلوماسيتها أكثر فاعلية.

وهنا تتكامل القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، لتشكل ما يمكن تسميته القوة الوطنية الشاملة.

مصر.. من إدارة الأزمات إلى صناعة النفوذ

تقف مصر اليوم أمام حزام متصل من الأزمات يبدأ من غزة والسودان وليبيا، ويمتد إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، بينما يتغير النظام الدولي من حولها.

لكن الأزمة ليست الصورة الوحيدة.

ففي المقابل، تمتلك مصر موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وقناة السويس، وثقلًا عربيًا وأفريقيًا، وقدرات عسكرية، وسوقًا كبيرة، وعمقًا ثقافيًا، وشبكة علاقات تمتد شرقًا وغربًا، وشراكات جديدة مع أوروبا والصين وبريكس والهند وغيرها.

والتحدي الحقيقي ليس في امتلاك هذه العناصر، وإنما في تحويلها إلى قوة متكاملة ومستدامة التأثير.

فمصر لا تستطيع اختيار جيرانها، ولا تغيير موقعها، ولا منع الأزمات من الاقتراب من حدودها. لكنها تستطيع أن تختار كيف تتعامل معها.

يمكن أن تتحول الجغرافيا إلى عبء إذا اكتفت الدولة بإدارة أزماتها، ويمكن أن تصبح مصدر قوة إذا أحسنت بناء مصالحها واستثمار موقعها.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية أمام مصر ليست فقط في كيفية مواجهة أزمات الإقليم، وإنما في الانتقال من دولة تتعامل مع الأحداث بعد وقوعها إلى دولة تمتلك القدرة على التأثير في مسارها وصناعة البدائل قبل أن تُفرض عليها.

في عالم تتغير فيه التحالفات وموازين القوى، لم يعد النفوذ امتيازًا تاريخيًا، وإنما أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا.

ومصر، بحكم موقعها ودورها وقدراتها، لا تحتاج إلى أن تبحث عن دور إقليمي جديد؛ وإنما تحتاج إلى تحويل ما تملكه بالفعل من عناصر قوة إلى نفوذ فعلي، وتحويل النفوذ إلى مصالح، والمصالح إلى أمن قومي مستدام.

فالسؤال لم يعد: هل تستطيع مصر أن تكون قوة إقليمية؟

بل: هل تستطيع أن تستخدم قوتها بحيث تصبح طرفًا يصنع توازنات الإقليم، لا مجرد طرف يتعامل مع نتائجها