الإثنين, 22 يونيو 2026, 6:57
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : تحولات جغرافية وأيديولوجية تعيد رسم خريطة التهديدات

مؤشر الإرهاب العالمي 2026: تحولات جغرافية وأيديولوجية تعيد رسم خريطة التهديدات

بقلم : اللواء شريف جمجوم

خبير امنى واستراتيجي

يشكل مؤشر الإرهاب العالمي 2026 أحد أبرز المراجع الدولية المتخصصة في قياس وتحليل ظاهرة الإرهاب والتطرف العنيف، إذ يقدم قراءة شاملة لمستويات التهديد الإرهابي واتجاهاته في مختلف أنحاء العالم. ويصدر المؤشر سنوياً عن معهد الاقتصاد والسلام، مستنداً إلى قاعدة بيانات واسعة ترصد الحوادث الإرهابية وتداعياتها البشرية والاقتصادية والأمنية.

ويعتمد المؤشر على منهجية إحصائية دقيقة تقيس تأثير الإرهاب في 163 دولة، من خلال تحليل عدد العمليات الإرهابية والوفيات والإصابات والأضرار المادية الناجمة عنها، ضمن إطار زمني يمتد لخمسة أعوام، بما يتيح تقييماً أكثر دقة واستقراراً لمستوى التهديد في كل دولة.

تحولات في المشهد العالمي

تكشف نتائج التقرير عن مفارقة لافتة؛ فبينما تشير البيانات إلى تراجع نسبي في عدد الهجمات الإرهابية الكبرى والوفيات المرتبطة بها على المستوى العالمي، فإن ذلك لا يعني انحسار الظاهرة أو القضاء عليها. فالجماعات المتطرفة أظهرت قدرة متزايدة على التكيف مع المتغيرات الأمنية والسياسية، من خلال تبني هياكل تنظيمية أكثر مرونة والاعتماد على استراتيجيات الاستنزاف والعمل اللامركزي بدلاً من السيطرة المباشرة على الأراضي.

 

ويرى التقرير أن البيئة الدولية الراهنة، التي تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى وتعدد بؤر الصراع، أوجدت مساحات جديدة لنشاط الجماعات المسلحة، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضعفاً مؤسسياً أو هشاشة أمنية.

الساحل الأفريقي بؤرة الإرهاب الجديدة

ومن أبرز ما يرصده المؤشر انتقال مركز الثقل العالمي للنشاط الإرهابي إلى منطقة الساحل الأفريقي والدول الواقعة جنوب الصحراء، التي أصبحت الأكثر تضرراً من الإرهاب على مستوى العالم.

ويعزو التقرير هذا التحول إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ضعف مؤسسات الدولة، وتكرار الانقلابات العسكرية، وتراجع فاعلية الترتيبات الأمنية الإقليمية، فضلاً عن التداعيات المتزايدة للتغير المناخي وما يسببه من صراعات على الموارد الطبيعية بين المجتمعات المحلية.

كما تشير الدراسة إلى أن الجماعات المسلحة باتت تركز عملياتها في المناطق الحدودية النائية، مستفيدة من ضعف الرقابة الأمنية وصعوبة السيطرة الحكومية على هذه المناطق، بما يوفر لها مساحات للحركة وإعادة التموضع.

الشرق الأوسط من الصدارة إلى إعادة التموضع

في المقابل، سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراجعاً نسبياً في مستويات النشاط الإرهابي مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يرتبط بتراجع القدرات العسكرية للتنظيمات المتطرفة الكبرى وتحسن الأداء الأمني في عدد من الدول.

غير أن التقرير يحذر من اعتبار هذا التراجع مؤشراً على انتهاء التهديد، مؤكداً أن العديد من التنظيمات أعادت تنظيم صفوفها عبر خلايا صغيرة وشبكات سرية تعتمد أساليب الهجمات المحدودة أو العمليات الفردية، مستفيدة من بقاء عوامل التوتر السياسي والاجتماعي في بعض المناطق.

صعود الإرهاب السياسي الداخلي

ويبرز التقرير تحولاً مهماً في طبيعة التهديدات الإرهابية، يتمثل في تنامي الإرهاب السياسي الداخلي المرتبط بحركات اليمين المتطرف والجماعات الراديكالية والانفصالية.

وتشير البيانات إلى تزايد الهجمات ذات الدوافع السياسية والأيديولوجية داخل عدد من الدول، خصوصاً في الأمريكتين وأوروبا، حيث تصاعدت أعمال العنف المرتبطة بخطابات الكراهية والتطرف القومي ونظريات المؤامرة، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على أجهزة الأمن وصناع السياسات.

التكنولوجيا في خدمة التطرف

كما يسلط المؤشر الضوء على الدور المتنامي للتكنولوجيا في دعم أنشطة الجماعات المتطرفة. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة رئيسية للتجنيد ونشر الدعاية المتشددة، بينما أتاحت التقنيات الحديثة، مثل الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والعملات المشفرة، إمكانات جديدة لهذه الجماعات لتعزيز قدراتها العملياتية والمالية.

ويحذر التقرير من أن تسارع عمليات التطرف الرقمي، خاصة بين فئات الشباب، بات يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية خلال المرحلة المقبلة.

التكلفة الاقتصادية للإرهاب

ولا تقتصر آثار الإرهاب على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تمتد إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وتقويض فرص التنمية. فارتفاع مستويات التهديد الإرهابي يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الإنفاق الأمني والعسكري، وتراجع الإنفاق الموجه إلى قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.

كما تتأثر سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي والتجاري في المناطق التي تشهد نشاطاً إرهابياً مستمراً، ما يفاقم معدلات الفقر والبطالة ويخلق بيئات أكثر قابلية للتطرف والتجنيد.

الإرهاب والنزاعات المسلحة

ويؤكد التقرير وجود علاقة وثيقة بين الإرهاب والنزاعات المسلحة، موضحاً أن الغالبية الساحقة من ضحايا الإرهاب حول العالم سقطوا في دول تعاني حروباً أهلية أو صراعات داخلية أو ضعفاً حاداً في مؤسسات الدولة.

ويخلص إلى أن الإرهاب غالباً ما يكون نتيجة مباشرة لغياب الاستقرار السياسي وتفكك مؤسسات الحكم، ما يجعل معالجة جذور النزاعات شرطاً أساسياً للحد من التهديدات الإرهابية على المدى الطويل.

رؤية مستقبلية

في ختام تحليله، يدعو مؤشر الإرهاب العالمي 2026 إلى تبني مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب تتجاوز الحلول الأمنية والعسكرية التقليدية، وترتكز على معالجة الأسباب البنيوية للصراعات، وتعزيز بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تطوير آليات التعاون الدولي في مجالات تبادل المعلومات ومكافحة التمويل غير المشروع والتطرف الرقمي.

ويؤكد التقرير أن التراجع النسبي في بعض المؤشرات لا ينبغي أن يُفسر باعتباره نهاية لظاهرة الإرهاب، بل بوصفه تحولاً في أشكالها وأدواتها ومجالات انتشارها، الأمر الذي يتطلب استراتيجيات أكثر شمولاً ومرونة لمواجهة التهديدات المستقبلية وحماية الأمن والاستقرار الدوليين