الخميس, 24 سبتمبر 2026, 16:17
أسواق عالمية أهم الأخبار الرئيسية تجارة وصناعة

تورتة العالم على طاولة ترامب وشي جين بينغ وواشنطن وبكين ترسمان ملامح عالم جديد

الآن ظهرت الحقيقة بأن العالم له قطبين ، لا ثالث لهما وما دون ذلك قوى أنهكت وأسفلها دولا هى وقود النار ومستهلكين لما ينتج وثروات طبيعية فى القبضة ، ولذلك فالتورتة العالمية ستكون على الطاولة، وواشنطن وبكين سترسمان ملامح عالم جديد

الاستقبال الاستثنائي لشي جين بينغ في قاعدة أندروز ، لم يكن شيئا طبيعيا عند دولة الزعامة المنفردة ، فمنذ  عشرات السنين والرئيس الأمريكي يقابل أى زعيم أو رئيس أو ملك فى البيت الأبيض ، أما وأن ينتظره على المدرج فى المطار ويقف عند آخر السجادة الحمراء منتظرا ظهور الزعيم الصينى ليتجوه مع قرينته الى سلم الطائرة للترحيب بالشريك ، وخلف التحية العسكرية تختبئ معركة المصالح التجارة والتكنولوجيا والمعادن النادرة .

فلم يكن المشهد الذي احتضنته قاعدة أندروز المشتركة، الأربعاء، مجرد مراسم بروتوكولية لاستقبال رئيس دولة عظمى ، كانت الصورة أكبر من ذلك بكثير.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقف في استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بنغ لي يوان عند سلم الطائرة، أطفال أمريكيون يقدمون الزهور، حرس شرف، سجادة حمراء، 21 طلقة مدفعية، نشيدا البلدين واستعراض جوي عسكري.

مشهد يحمل كل رموز القوة الصلبة، لكنه يأتي هذه المرة في لحظة يبدو فيها أن القوى الكبرى تحاول استخدام القوة والنفوذ للوصول إلى طاولة المصالح، لا إلى ساحة الحرب.

زيارة شي إلى الولايات المتحدة، التي تستمر من 23 إلى 25 سبتمبر، تأتي في ظل محادثات أمريكية-صينية تتركز على ملفات التجارة وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وليس السؤال الآن من ينتصر؟ ، ولكن من يحصل على ماذا؟

ربما تكون هذه هي الجملة الأكثر دلالة على المشهد العالمي الجديد ، ففي العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، لم تختفِ المنافسة، ولم تنتهِ الخلافات بشأن المضايق هرمز وباب المندب ، و تايوان أو التكنولوجيا أو الأمن أو التجارة ، لكن شيئًا مهمًا تغير في طريقة إدارة الصراع ، فالصفقة تصبح أحيانًا امتدادًا للصراع بوسائل أخرى.

واشنطن تريد أسواقًا أوسع لصادراتها، ومشتريات صينية للمنتجات الأمريكية، وتأمين سلاسل الإمداد، والوصول إلى المعادن الحيوية، وحماية تفوقها التكنولوجي ، وبكين تريد بدورها استقرارًا في التجارة، وتخفيف القيود على التكنولوجيا، والحفاظ على أسواقها، وضمان تدفق سلاسل الإمداد، ومنع تحول المنافسة الاقتصادية إلى مواجهة مفتوحة.

وفي مايو الماضي، اتفق البلدان على إنشاء مجلسين للتجارة والاستثمار، بالتوازي مع تفاهمات شملت المعادن النادرة، وشراء الصين طائرات بوينغ أمريكية، والتزامات بشراء منتجات زراعية أمريكية ، وهنا تظهر المفارقة ،الولايات المتحدة والصين تتنافسان بشدة، لكنهما في الوقت نفسه يحتاج كل منهما إلى الأخر .

الرسالة الصينية هى «شريكان لا منافسان» ففي كلمته المكتوبة بمناسبة وصوله، شدد شي جين بينغ على أن الصين والولايات المتحدة دولتان عظميان وشعباهما يرتبطان بمصالح متشابكة، داعيًا البلدين إلى أن يكونا «شريكين لا منافسين».

وأكد شي على ضرورة بناء علاقة مستقرة تقوم على التعاون، مع منافسة يمكن إدارتها وخلافات يمكن احتواؤها.

وهذه الرسالة تتقاطع مع حقيقة اقتصادية يصعب تجاهلها: فصل الاقتصادين الأمريكي والصيني بالكامل ليس عملية بسيطة ولا سريعة ، فالعلاقة بينهما تشكل أحد أهم محاور الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن كل قرار بشأن الرسوم الجمركية أو المعادن أو أشباه الموصلات أو الزراعة لا يبقى محصورًا في واشنطن وبكين، بل يمكن أن يمتد أثره إلى الأسواق وسلاسل التوريد والشركات والمستهلكين حول العالم. وقد أقرت الحكومتان في بيان اقتصادي مشترك بأهمية العلاقة التجارية الثنائية بالنسبة للاقتصاد العالمي.

مدافع في السماء.. وصفقات على الطاولة

قد يبدو الأمر متناقضًا ، 21 طلقة مدفعية واستعراض عسكري في لحظة يجري فيها الحديث عن التجارة والاستثمار ، لكن هذا التناقض ربما يلخص السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين.

الدول الكبرى لا تتخلى عن قوتها العسكرية، لكنها لا تريد بالضرورة استخدامها إذا كان بالإمكان تحويلها إلى ورقة تفاوض على طاولة الاقتصاد ، فالقوة العسكرية تمنح الدولة وزنًا جيوسياسيًا، بينما تمنحها القوة الاقتصادية أوراقًا أخرى: الأسواق، التكنولوجيا، الطاقة، المعادن، الاستثمارات، سلاسل الإمداد، والقدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية.

ولهذا لم تعد «الحرب» بالضرورة هي الشكل الوحيد للصراع بين الكبار ، أحيانًا تكون المعركة حول من يملك التكنولوجيا؟ ومن يسيطر على المعادن؟ ومن يشتري؟ ومن يبيع؟ ومن يضع قواعد السوق؟

وما يمكن ان نسأله لأنفسنا من يقطع التورتة العالمية، الضيف أم صاحب الدار ، أم يتشابكا حول معصم السكين فى عمليات التقطيع والتوزيع ، وعندما يتم توزيع النفوذ والثروة والأسواق ، فهذا لا يعني أن عصر الصراعات انتهى، ولا أن المصالح الاقتصادية ألغت الخلافات الجيوسياسية ، بل يعني أن الاقتصاد أصبح أحد أهم ميادين التنافس بين القوى الكبرى.

فالبيت الأبيض أعلن في مايو الماضي أن الاتفاقات مع الصين تستهدف، من بين أمور أخرى، تعزيز فرص العمال والمزارعين والصناعة الأمريكية، بينما تضمنت التفاهمات ملفات مثل شراء الطائرات الأمريكية والمعادن الحيوية والمنتجات الزراعية.

وفي المقابل، فإن بكين تدرك أن استمرار التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة يظل جزءًا مهمًا من البيئة الاقتصادية العالمية التي تتحرك فيها الصين.

الصورة التي خرجت من قاعدة أندروز لا تعني أن واشنطن وبكين أصبحتا حليفتين ، على العكس، ما زالت الملفات الحساسة كثيرة، من التجارة والتكنولوجيا إلى تايوان والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي. وتصف التقارير الأمريكية-الصينية الراهنة العلاقة بأنها مزيج من التعاون والمنافسة والخلافات التي يجري العمل على إدارتها ، لكن ما تغير هو أن المصلحة أصبحت لغة لا تستطيع القوى الكبرى تجاهلها.

الرئيسان قد يتنافسان على النفوذ العالمي، لكن الشركات تريد أسواقًا، والمصانع تريد مواد خام، والمستهلكون يريدون أسعارًا أقل، والدول تريد استثمارات، والاقتصادات تحتاج إلى استقرار سلاسل الإمداد ، ومن هنا يمكن قراءة مشهد استقبال شي جين بينغ في واشنطن باعتباره ولادة حقبة تاريخية لعالم جديد .

المدافع موجودة، والطائرات تحلق، والحرس العسكري يقف في مكانه… لكن على الطاولة توجد التريليونات والأسواق والتكنولوجيا والمعادن والصفقات ، وهذه ربما تكون إحدى أبرز سمات السياسة الدولية الجديدة ، فالقوى الكبرى لا تتوقف عن التنافس، لكنها تحاول أن تجعل المنافسة قابلة للربح، لا طريقًا إلى الخراب.

وفي النهاية، قد لا تكون القضية أن العالم دخل عصرًا بلا حروب، فهذا استنتاج أكبر من الوقائع المتاحة؛ وإنما أن الحساب الاقتصادي أصبح أكثر حضورًا في إدارة التنافس بين القوى الكبرى.