السبت, 5 سبتمبر 2026, 18:08
أهم الأخبار الرئيسية تجارة وصناعة مقال رئيس التحرير

أيمن الشندويلي يكتب : هل الصين ملاكا ؟!!

ايمن الشندويلي

انتهت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج الى مصر والتى استقبل فيها استقبال رسمي على أعلى مستوى ، وسلطت كل وسائل الاعلام أضوائها على الزيارة التاريخية، والتى تأتى فى ظل أجواء غير مستقرة للشرق الأوسط الذى يعيش مخاضا لا أحد يعلم شكل ولا طبيعة القادم له، ولكن على فطعة الأرض العربية تدور حربا غير مباشرة بين القوى العظمى فى العالم، ليس الهدف منها بقاء الخليج أو إيران ولكن من يملك مفاتيح ثروات هذه المنطقة ويتحكم فى التجارة وخاصة النفط عبر مضيق هرمز.

ولذا لا ننظر للصين بعين ملاك الرحمة القادم بالملابس البيضاء لبلادنا ليخلصنا من أنياب الشيطان الأمريكي، لأن القوى العظمى لا تتعامل بمنطق العواطف والحب ولكن المصالح أولا وأخيرا، حتى رفعنا شعار الصداقة والحضارة والعلاقات المتميزة على مدى 70 عاما.

الجميع يضع يده في جيب مصر

بكين لا تأتي إلى القاهرة وهى حاملة شيكًا على بياض، وواشنطن لا ترسل صندوق النقد حاملاً عصا فقط لتأديبنا، ففي السياسة، لا توجد صداقة مجانية، وفي الاقتصاد، لا يوجد قرض بلا ثمن.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن يقرضك أحدهم لكي تبني مصنعًا، وأن يقرضك آخر لكي تعيد ترتيب بيتك الاقتصادي كله.

ومن هنا تبدأ الحكاية المصرية مع الصين وصندوق النقد الدولي.

فمصر، التي تبحث منذ سنوات عن العملة الصعبة والاستثمار والتمويل، تجد أمامها نموذجين مختلفين تمامًا، الصين تقول “سأبني معك”، وصندوق النقد يقول: “سأقرضك، لكن عليك أولًا أن تغير طريقة إدارة اقتصادك” ليس من وجهة نظرك ولكن من خلال خطة مرسومة تجعلك دولة بلا أصول ولا إنتاج، كل اقتصادك فى يد القطاع الخاص سواء أجنبيا أو عربيا أو مختلطا فى الشكل وصهيونيا فى الخفاء، ومصريا أيضا ولكن معظمه بأموالا مصدرها خارجيا، بينما الصين غول اقتصادي يملك إنتاج الدولة وهو الأكبر والأخطر مع شركات القطاع الخاص التى تصدر للعالم، ولكن كلها صينية المنشأ والتمويل، بينما توجد استثمارات أجنبية ولكن تحت أعين الدولة.

ونسأل أنفسنا، أي النموذجين أفضل؟ ، وأيهما أقل وطأة؟ ، فنحن حددنا وعلمنا ماذا يريد الغرب منا وماذا يخطط لنا بعد إغداق الديون التى لم توفر الغذاء ولا الصناعات التى تحولنا لبلد مصدرة، تستطيع سداد ديونها، والسؤال الأهم والمباشر، هل الصين صديق حقيقي لمصر، أم أن بكين ترى فى مصر مجرد محطة على طريق مصالحها الكبرى؟

الإجابة الصريحة قد لا ترضي أنصار الصين ولا أنصار الغرب، الصين صديقة لمصر بقدر ما تتقاطع مصالحها معها، وهذا ليس اتهامًا، إنها ببساطة الطريقة التي تعمل بها الدول، فالصين لا تأتي إلى مصر من أجل سواد عيون المصريين ولا أنهم أصحاب حضارة آلاف السنين ، وهى حقيقة لا يجب ألا نخجل منها، فالصين قوة عظمى ، ولها مصالح ضخمة في العالم.

وعندما تنظر بكين إلى مصر، فإنها لا ترى فقط دولة عربية تربطها بها علاقات تاريخية ، ولكنها  ترى مصر صاحبة الممر المائى الأهم الذى يربط أسيا بأوروبا وهى قناة السويس، وأيضا البحر الأحمر الذى يجعلها بوابة إفريقيا لما تربطها بدول القارة بإتفاقيات تجارة حرة مثل الكوميسا وغيرها، ومصر سوقًا ضخمة، لديها أكثر من مائة مليون مستهلك، ومنطقة اقتصادية يمكن أن تصبح قاعدة للصناعة الصينية، ودولة لها وزن سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله.

لذلك فإن الاستثمار الصيني في مصر ليس صدقة، ولا هو عمل خيري، إنه استثمار في مصر وفي الصين في الوقت نفسه، وهذه ليست مشكلة ، بل ربما تكون أفضل أنواع العلاقات الدولية ، لوجود منفعة متبادلة قائمة على العدل والاحترام ، فى حاجة مصر إلى الصين، وحاجة الصين إلى مصر.

مصر تعاني من الديون وشبحها يهدد المستقبل ، و نقص العملة الصعبة ، يجعلها تحتاج إلى الاستثمار الحقيقي القائم على إنشاء المصانع التى تدر عملة صعبة وتشغل أيدى عاملة ، لا أن تبيع أراضي وأصول ومصانع وشركات تصدر وتربح مقابل سداد ديون ، فهى بذلك تقضى على مصادر دخلها ثم تلجأ الى رهن مستقبلها .

ومصر هي الجسر الطبيعي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا ، وهذا يجعل الصين راغبة في وجود طويل الأجل في مصر ، ومنطقة قناة السويس الاقتصادية ليست مجرد مشروع صناعي فهى بالنسبة لبكين جزء من تصور أوسع لشبكة التجارة والصناعة والنقل التي تربط الصين بالأسواق العالمية.

وهنا يجب أن تكون القاهرة أذكى من أن تتعامل مع الصين باعتبارها «مانحًا» فالصين تحتاج مصر كما تحتاج مصر الصين ، وهذه هي نقطة القوة التي يجب ألا تهدرها القاهرة.

فالصين أقل قسوة من صندوق النقد في المدى القصير ، أما على المدى الطويل ، ليس بالضرورة ، لان مصانع الصين تستغل موقعها لتصدر وبكون الدخل للصين وليس لمصر ، لأنها لا تقيم صناعات مشتركة ، تتقاسم مصر أرباحها .

الصين هى الدائن التجاري أو التنموي الصيني وقوته يمكن أن تكون في العقد نفسه ، الذى يشترط من يدفع؟ ومتى يدفع؟ وما الضمان؟ والضمان هو الرهن فى حالة عدم السداد .

بجانب نقاط أخري مثل ، ما الإيرادات التي يمكن استخدامها في السداد؟،  ماذا يحدث إذا تأخر السداد؟ ، من ينفذ المشروع؟ ، من يورد المعدات؟ ، ما حقوق شركة المشروع؟ ، وأين يتم الفصل في النزاع؟ .. وهذه التفاصيل قد تكون أهم من كلمة «قرض صيني» ، لأن الصين ليست كتلة واحدة ، هناك بنوك صينية ، وشركات صينية ، ومؤسسات حكومية ، وشراكات مع القطاع الخاص ، وكل صفقة لها طبيعتها.

وأخطر شيء يمكن أن تفعله مصر هو رهن المستقبل ، فإذا أرادت مصر تمويل مشروع، فهناك فرق بين أن تقترض لبناء أصل ينتج دخلاً، وبين أن تقترض لتغطية عجز قائم ، الأول يمكن أن يكون استثمارًا ، والثاني قد يتحول إلى حفرة ، فالأسوأ أن تقدم الدولة ضمانات على إيرادات مستقبلية أو أصول أو تدفقات مالية ، عندها تكون قد استهلكت جزءًا من المستقبل قبل أن يأتي ، وهذا هو الخطر الحقيقي في أي تمويل أجنبي، سواء جاء من الصين أو غيرها.

ويمكن أن يطرح البعض سؤالا وهو ، هل يمكن رهن قناة السويس للصين؟

والاجابة بالنفي القاطع ، لأن الأصول السيادية الاستراتيجية ليست مجرد عقارات يمكن بيعها أو رهنها ، وقناة السويس تحديدًا ترتبط بسيادة الدولة وبمنظومة قانونية وسياسية شديدة الحساسية ، لذلك فإن الحديث الدائم عن أن الصين يمكن أن تحصل على قناة السويس إذا لم تسدد مصر ديونها فهو أمر غير قابل للتصديق .

لكن هناك شيء آخر أكثر واقعية ، وهى ربط إيرادات مشروع معين بخدمة دين معين ، وهذا مختلف تمامًا عن بيع الأصل ، فقد يبقى الأصل ملكًا للدولة، بينما تذهب إيراداته أو جزء منها لفترة محددة إلى خدمة القرض ، وهذا النوع من الترتيبات هو الذي يجب أن تدرسه مصر بعناية شديدة قبل توقيعه.

ولنأخذ الدرس من سريلانكا ، وهى أكثر القصص شهرة في هذا الملف هي قصة ميناء هامبانتوتا ، فسنوات طويلة قيل للعالم ، الصين أقرضت سريلانكا ، وسريلانكا لم تستطع السداد ، فأخذت الصين الميناء ، لكن الحقيقة أن الميناء لم يتحول ببساطة إلى ملكية صينية لأن سريلانكا فشلت في دفع القرض ، الذي حدث كان اتفاقًا على امتياز طويل الأجل لشركة صينية مقابل أموال استخدمتها سريلانكا في إدارة احتياجاتها المالية ، لكن القصة تظل درسًا مهمًا ، حتى عندما لا تنتقل ملكية الأصل، يمكن أن تصبح الإيرادات وحقوق التشغيل والامتيازات محل تفاوض عندما تصبح الدولة في وضع مالي ضعيف.

وهنا يجب أن تتعلم مصر ، لا تنتظر حتى تحتاج إلى المال بشدة ثم تفاوض ، فاوض وأنت قوي ،  والمفارقة أن الصين نفسها تعلمت من تجارب «الحزام والطريق» ، فالقروض الضخمة لمشروعات لا تحقق عائدًا كافيًا تحولت في بعض الدول إلى مشكلات بالنسبة للصين نفسها ، لم يعد البنك الصيني أمام مشروع جديد فقط ، بل أمام دولة تريد إعادة جدولة ديونها ، وبالتالي بدأت الصين تصبح في بعض الدول ، مقرضًا ، ثم دائنًا، ثم مفاوضًا لإعادة هيكلة الدين، وهذه ليست أفضل نتيجة لأي طرف لأن الصين تريد استرداد أموالها ، والدولة تريد مساحة للتنفس ، وفي النهاية يجلس الطرفان إلى طاولة واحدة.

اما مصر ، فهى حالة مختلفة نسبيًا ، فالعلاقة المصرية الصينية ليست قائمة على القروض فقط ، هناك تجارة واستثمارات وصناعة ومناطق صناعية وطاقة وبنية أساسية وتكنولوجيا ومشروعات مرتبطة بقناة السويس ، والصين ترى في مصر قاعدة مهمة للتوسع في إفريقيا والشرق الأوسط ، وهذا يمنح القاهرة فرصة مهمة  فبدل أن تنظر مصر إلى الصين باعتبارها «مصدر قرض»، يمكنها أن تنظر إليها باعتبارها مصدر استثمار وتمويل وتكنولوجيا وسوق ، وهذا فرق هائل ، لأن القرض الصيني الجيد هو الذي يجعل مصر أقل احتياجًا للصين ، فإذا اقترضت مصر من الصين وبنت مصنعًا يصدر إلى الصين وأوروبا وإفريقيا، فهذا جيد ، وإذا حصلت على التكنولوجيا الصينية وبدأت مصر تنتج محليًا، فهذا أفضل ، وإذا جاء المستثمر الصيني وأدخل معه رأس المال والخبرة وفتح سلسلة توريد مصرية، فهذا أفضل من القرض.

أما أن تقترض مصر من الصين لكي تشتري منتجات صينية وتدفع لشركات صينية، ثم تسدد القرض من موارد مصرية ، فهنا يجب أن نتوقف لأننا قد نكون أمام دائرة مغلقة ، ففى هذه الحالة الصين تقرض ، و الشركات الصينية تنفذ ، و المعدات الصينية تأتي والمال يعود إلى الصين، والنهاية ومصر تحتفظ بالدين.

إذا حدث ذلك دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو زيادة الصادرات المصرية، فالمكسب المصري يصبح أقل بكثير مما يبدو على الورق، ولذا يجب على مصر  أن تكون أكثر اهتمامًا بجذب الاستثمار الصيني المباشر من الحصول على المزيد من القروض الصينية ، لأن المستثمر الذي يضع ماله في مصنع يتحمل جزءًا من المخاطر.

وفى النهاية لابد أن نؤكد مفهوما يكون راسخا أمام أعيننا بأن الصين هي صديق ذو مصلحة.