الأحد, 7 يونيو 2026, 2:09
أسواق مصر الرئيسية تجارة وصناعة

مرصد الذهب تراجع نصيب الفرد من الذهب في مصر 43% خلال 15 عامًا 

الذهب

كشف تحليل أعده مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية استنادًا إلى بيانات مجلس الذهب العالمي عن تراجع متوسط نصيب الفرد من الذهب في مصر من نحو 0.7 جرام للفرد عام 2010 إلى 0.4 جرام فقط في عام 2025، بانخفاض يقترب من 43% خلال 15 عامًا، في وقت شهدت فيه أسعار الذهب قفزات تاريخية، وارتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه بصورة حادة، وتراجعت معدلات الادخار المحلية إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية إن هذا التراجع لا يعكس انخفاض أهمية الذهب لدى المصريين أو تراجع الثقة في المعدن النفيس، بل يعكس التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها مصر خلال الفترة من 2010 إلى 2025، والتي أثرت بصورة مباشرة على قدرة المواطنين على الادخار والاستثمار وشراء الذهب.

وأوضح أن مؤشر نصيب الفرد من الذهب يعد من أهم المؤشرات الاقتصادية المرتبطة بسلوك الادخار، إذ يقيس متوسط ما يشتريه الفرد من المشغولات الذهبية والسبائك والعملات الذهبية، وبالتالي فإنه يعكس بصورة غير مباشرة مستوى القوة الشرائية وحجم الفوائض المالية المتاحة للأسر.

أسعار الذهب ترتفع بأكثر من 3370%

وأشار فاروق إلى أن العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع نصيب الفرد من الذهب يتمثل في الارتفاع التاريخي الذي شهدته أسعار المعدن النفيس في السوق المصرية.

فقد افتتح سعر جرام الذهب عيار 21، وهو العيار الأكثر تداولًا في مصر، تعاملات عام 2010 عند مستوى 168 جنيهًا للجرام، بينما سجل بنهاية عام 2025 نحو 5830 جنيهًا للجرام، محققًا زيادة تجاوزت 3370% خلال 15 عامًا.

وأضاف أن هذه القفزة السعرية الضخمة تعني أن المواطن الذي كان يستطيع شراء كمية معينة من الذهب قبل 15 عامًا أصبح يحتاج اليوم إلى أضعاف دخله السابق للحصول على الكمية نفسها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على متوسط نصيب الفرد من الذهب.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الذهب لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تفاعل عدة متغيرات اقتصادية في مقدمتها ارتفاع الأسعار العالمية للذهب، وتراجع قيمة الجنيه المصري، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة تكاليف الإنتاج والتشغيل.

الدولار أحد المحركات الرئيسية لارتفاع الذهب

وأكد مدير «مرصد الذهب» أن تحليل تطور أسعار الذهب في مصر لا يمكن فصله عن التغيرات الكبيرة التي شهدها سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري خلال السنوات الماضية.

فقد ارتفع سعر صرف الدولار من نحو 5.62 جنيه في عام 2010 إلى مستويات تراوحت بين 50 و54 جنيهًا خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 800%، مدفوعًا بعدة مراحل من تحرير سعر الصرف والتغيرات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد المصري.

وأوضح أن الذهب يُسعّر عالميًا بالدولار الأمريكي، وبالتالي فإن أي ارتفاع في سعر الدولار مقابل الجنيه ينعكس بصورة مباشرة على أسعار الذهب في السوق المحلية حتى في حال استقرار الأسعار العالمية.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من الارتفاعات التي شهدها الذهب في مصر خلال السنوات الأخيرة يعود إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، إلى جانب الصعود القوي في أسعار الذهب العالمية.

التضخم يلتهم القوة الشرائية

وأشار التقرير إلى أن التضخم لعب دورًا محوريًا في تراجع نصيب الفرد من الذهب خلال الفترة محل الدراسة.

فقد شهد الاقتصاد المصري موجات تضخمية متعاقبة منذ عام 2010، حيث سجل معدل التضخم السنوي مستويات تراوحت بين أقل من 10% في بعض السنوات وأكثر من 30% في سنوات أخرى، قبل أن يبلغ ذروته عند نحو 33.9% خلال عام 2023.

وأوضح فاروق أن التأثير التراكمي للتضخم خلال السنوات الخمس عشرة الماضية أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية بصورة كبيرة، ما أدى إلى استنزاف جزء متزايد من دخول الأسر المصرية وتوجيهه نحو الإنفاق المعيشي بدلاً من الادخار والاستثمار.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن والنقل أدى إلى تراجع الفائض المالي المتاح للأسر، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها على شراء الذهب.

الادخار المحلي يتراجع إلى أدنى مستوياته

وكشفت بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية عن تراجع حاد في معدلات الادخار المحلية خلال الفترة نفسها.

فقد انخفض معدل الادخار المحلي من نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2010/2011 إلى 6.1% في العام المالي 2023/2024، قبل أن يهبط إلى نحو 1.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2024/2025، بما يعادل نحو 218 مليار جنيه، مقارنة بنحو 848 مليار جنيه في العام السابق.

وقال فاروق إن هذا التراجع يعكس الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت نسبة أكبر من الدخل موجهة لتغطية الاحتياجات الأساسية، بينما تراجعت الأموال المتاحة للادخار والاستثمار.

وأضاف أن العلاقة بين الادخار والذهب علاقة مباشرة، فكلما تراجعت قدرة الأسر على تكوين مدخرات، انخفضت قدرتها على شراء الذهب، خاصة مع الارتفاعات القياسية في الأسعار.

النمو السكاني يضغط على نصيب الفرد

وأشار التقرير إلى أن النمو السكاني يمثل عاملًا إضافيًا في تفسير تراجع نصيب الفرد من الذهب.

فقد ارتفع عدد سكان مصر من نحو 82 مليون نسمة عام 2010 إلى أكثر من 107 ملايين نسمة خلال عام 2025، بينما لم ينمُ الطلب الكلي على الذهب بنفس الوتيرة، ما أدى إلى انخفاض متوسط نصيب الفرد من إجمالي الطلب على المعدن النفيس.

وأوضح أن زيادة عدد السكان تتطلب نموًا أسرع في الطلب للحفاظ على مستويات نصيب الفرد، وهو ما لم يتحقق في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار.

المصريون لم يتخلوا عن الذهب

ورغم تراجع نصيب الفرد من الذهب، يرى «مرصد الذهب» أن المعدن النفيس ما زال يحتفظ بمكانته كأحد أهم أوعية الادخار في مصر.

وأشار فاروق إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا في أنماط الشراء، حيث اتجهت شريحة واسعة من المواطنين إلى شراء السبائك والجنيهات الذهبية والأوزان الصغيرة بدلًا من المشغولات الذهبية مرتفعة التكلفة، بهدف الحفاظ على المدخرات وتقليل تكلفة المصنعية.

وأضاف أن هذا التحول يؤكد أن تراجع نصيب الفرد من الذهب لا يعني تراجع الإقبال على المعدن النفيس، بل يعكس تغيرًا في سلوك الشراء نتيجة الظروف الاقتصادية.

مقارنة عربية

وعلى المستوى العربي، أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن الإمارات العربية المتحدة تصدرت المنطقة من حيث متوسط نصيب الفرد من الذهب خلال عام 2025 بنحو 4 جرامات للفرد، تلتها الكويت بنحو 3.3 جرام للفرد، ثم المملكة العربية السعودية بنحو 1.7 جرام للفرد، مقارنة بنحو 0.4 جرام فقط في مصر.

ويرجع هذا الفارق إلى ارتفاع مستويات الدخل والفوائض المالية ومعدلات الادخار في دول الخليج مقارنة بالاقتصاد المصري.

الذهب مرآة للقدرة الشرائية

واختتم الدكتور وليد فاروق التقرير بالتأكيد على أن مؤشر نصيب الفرد من الذهب يمثل مرآة حقيقية للقدرة الشرائية للأفراد ومستوى الادخار داخل الاقتصاد.

وأضاف أن تراجع نصيب الفرد من الذهب في مصر من 0.7 جرام إلى 0.4 جرام خلال الفترة من 2010 إلى 2025 جاء بالتزامن مع ارتفاع سعر الذهب بأكثر من 3370%، وصعود الدولار بأكثر من 800%، وتراجع معدل الادخار المحلي من 13% إلى 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب موجات تضخمية متعاقبة أثرت بصورة مباشرة على القوة الشرائية للأسر المصرية.

وأكد أن هذه المؤشرات مجتمعة تفسر أسباب تراجع نصيب الفرد من الذهب في مصر خلال السنوات الماضية، وتوضح أن انخفاض الكميات المقتناة لا يعكس تراجع أهمية الذهب، بل يعكس ارتفاع تكلفة الوصول إليه في ظل التحديات الاقتصادية التي واجهها المواطن المصري على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية.