الثلاثاء, 5 مايو 2026, 16:07
أسواق عربية أهم الأخبار الرئيسية تجارة وصناعة

بلدنا القطرية تخسر وجودها بمجلس إدارة جهينة

في تطور لافت يعكس تصاعد الصراع داخل واحدة من كبرى شركات الأغذية في مصر، أيدت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة استبعاد مرشح شركة “بلدنا” القطرية من الترشح لعضوية مجلس إدارة شركة جهينة للصناعات الغذائية، استنادًا إلى وجود تعارض مصالح واضح، باعتبار أن “بلدنا” تعمل في نفس نشاط الألبان داخل السوق المصري. الحكم لم يكن مجرد قرار قانوني عابر، بل مثّل نقطة فاصلة في معركة ممتدة بين مساهم استراتيجي يسعى لتعزيز نفوذه، وإدارة تتمسك باستقلالها وترفض دخول منافس مباشر إلى دائرة صنع القرار.

القضية تعود إلى تحركات شركة “بلدنا”، التي تمتلك نحو 16% من أسهم جهينة، في محاولة لإعادة تشكيل مجلس الإدارة عبر الدفع بمرشحين يمثلونها، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة طبيعية لمستثمر كبير يسعى لحجز مقعد على طاولة الإدارة. غير أن هذه المحاولة اصطدمت منذ البداية بجدار قانوني وتنظيمي، حيث تشترط قواعد الحوكمة موافقة الجمعية العامة في حال وجود نشاط منافس، وهو ما لم يتحقق، ليتم استبعاد المرشح رسميًا وتثبيت هذا الاستبعاد بحكم قضائي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود القضاء، إذ سبق ذلك تحرك من جانب إدارة جهينة لتعديل بعض بنود النظام الأساسي للشركة، بما يضع قيودًا على ترشح ممثلي الكيانات المنافسة لعضوية مجلس الإدارة، وهي خطوة اعتبرها البعض استباقية وموجهة بشكل غير مباشر لكبح طموحات “بلدنا”. ورغم الجدل الذي أثارته هذه التعديلات، وما تبعها من مراجعات لاحقة، فإنها عكست بوضوح حجم القلق داخل الشركة من احتمالات تسلل منافس إلى قلب هيكلها الإداري.

داخل أروقة السوق، لا يُنظر إلى هذه الأزمة باعتبارها خلافًا تقليديًا بين مساهمين، بل كجزء من مشهد أوسع يعكس تحولات في طبيعة الملكية داخل الشركات المدرجة في البورصة المصرية. فـ“جهينة”، التي تأسست عام 1983 ونمت لتصبح لاعبًا رئيسيًا في سوق الألبان والعصائر، ظلت لسنوات طويلة تحمل طابعًا عائليًا في إدارتها، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة تشكيل مجلس إدارتها مسألة شديدة الحساسية، تتجاوز الحسابات المالية إلى اعتبارات السيطرة والنفوذ.

وتزداد الصورة تعقيدًا إذا ما أُخذ في الاعتبار السياق الأوسع الذي مرت به الشركة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك التحديات التي واجهها مؤسسها صفوان ثابت، وهو ما جعل استقرار الإدارة الحالية هدفًا استراتيجيًا بالنسبة لقطاعات داخل الشركة. في المقابل، يرى مؤيدو تحركات “بلدنا” أن امتلاك حصة مؤثرة يمنحها حقًا مشروعًا في التمثيل داخل مجلس الإدارة، وأن استبعادها يطرح تساؤلات حول مدى انفتاح الشركات الكبرى على مساهميها.

النتيجة الحالية تميل بوضوح لصالح الإدارة القائمة، خاصة مع رفض الجمعية العامة مناقشة طلب إعادة تشكيل المجلس، واستمرار المجلس الحالي في أداء مهامه حتى نهاية دورته في 2027. لكن ذلك لا يعني نهاية الصراع، بل ربما يمثل مجرد هدنة مؤقتة في معركة مرشحة للتجدد مع أي تغير في موازين الملكية أو مع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة.

في المحصلة، تكشف هذه الواقعة عن معادلة معقدة تحكم الشركات الكبرى في مصر اليوم، حيث تتقاطع اعتبارات الحوكمة مع حسابات المنافسة، وتتصادم حقوق المساهمين مع مخاوف الإدارة من فقدان السيطرة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن التوفيق بين جذب الاستثمارات والحفاظ على استقلال القرار داخل الشركات الاستراتيجية؟