الإثنين, 4 مايو 2026, 3:24
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : الأمن في عالم مضطرب

الأمن في عالم مضطرب: بين منطق الدولة وتحديات الإقليم وطموحات النظام الدولي

بقلم : اللواء شريف جمجوم

خبير أمني وأستراتيجي

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات، لم يعد الأمن مجرد مفهوم تقليدي يُختزل في حماية الحدود، بل أصبح منظومة مركبة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية، وتمتد من حدود الدولة إلى فضاءات الإقليم والعالم. وبينما تسعى الدول إلى حماية مصالحها، يتشكل الأمن في ثلاث دوائر متداخلة: الأمن القومي، والأمن الإقليمي، والأمن الجماعي، لكل منها منطقه الخاص وأدواته المختلفة.

يأتي الأمن القومي في مقدمة هذه الدوائر، باعتباره التعبير الأوضح عن إرادة الدولة في حماية كيانها وضمان استقرارها. هذا المفهوم، وإن بدا حديثًا في صياغته النظرية، إلا أن جذوره ضاربة في عمق التاريخ، حيث أدركت الحضارات القديمة ضرورة تأمين حدودها وردع الأخطار المحيطة بها. ومع تطور الدولة الحديثة، لم يعد الأمن القومي مقتصرًا على القوة العسكرية، بل أصبح يعتمد على منظومة متكاملة تشمل التنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، والتماسك الاجتماعي. فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك جيشًا قادرًا، بل التي تملك اقتصادًا متينًا ومجتمعًا متماسكًا ورؤية استراتيجية واضحة.

غير أن عالم اليوم، بما يحمله من ترابط وتعقيد، تجاوز حدود الدولة الواحدة، ليبرز مفهوم الأمن الإقليمي كاستجابة طبيعية لهذا التداخل. فالدول التي تنتمي إلى إقليم جغرافي واحد تجد نفسها أمام تحديات مشتركة، تفرض عليها التعاون لحماية مصالحها الجماعية. ويقوم الأمن الإقليمي على فكرة أساسية مفادها أن استقرار أي دولة في الإقليم يرتبط باستقرار بقية الدول، وأن التهديدات الخارجية لا يمكن مواجهتها بجهود فردية. لذلك، تتجه هذه الدول إلى تنسيق سياساتها، وتعزيز تعاونها العسكري، والعمل على حل نزاعاتها بوسائل سلمية، منعًا لتحولها إلى بوابات للتدخل الخارجي.

وعلى مستوى أوسع، يبرز الأمن الجماعي كحلم إنساني يسعى إلى تحقيق الاستقرار العالمي. يقوم هذا المفهوم على مبدأ أن العدوان على دولة واحدة يمثل تهديدًا للجميع، وأن المجتمع الدولي يجب أن يتكاتف لردع أي محاولة لزعزعة النظام العالمي. وقد تجسد هذا الطموح في إنشاء مؤسسات دولية تهدف إلى حفظ السلم، إلا أن الواقع يكشف أن تطبيق هذا المبدأ يظل مرهونًا بتوازنات القوى وتضارب المصالح بين الدول الكبرى، مما يحد من فعاليته في كثير من الأحيان.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه المفاهيم باعتبارها متناقضة، بل هي مستويات متكاملة لمنظومة واحدة تسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار. فالأمن القومي يمثل الأساس الذي تنطلق منه الدولة، والأمن الإقليمي يوفر لها عمقًا استراتيجيًا، بينما يمنحها الأمن الجماعي إطارًا دوليًا أوسع. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحقيق التوازن بين هذه المستويات، بحيث لا تتحول حماية المصالح إلى مصدر للصراع، ولا يصبح السعي إلى الأمن سببًا في تقويضه.

هكذا، يظل الأمن مفهومًا ديناميكيًا، يتغير بتغير الظروف، ويتشكل وفق موازين القوة، لكنه يبقى في جوهره الهدف الأسمى الذي تسعى إليه الدول والشعوب في عالم لا يعرف الثبات