السبت, 22 أغسطس 2026, 13:50
الرئيسية صحة ودواء

دراسة سريرية بمستشفى 15 مايو تتوصل لدواء يقلل خطر نقص الصفائح لمرضى العناية

كشفت دراسة سريرية مصرية حديثة أن دواء إن-أسيتيل سيستين (NAC)، الذي يمتلك خصائص مضادة للأكسدة، يمكن أن يساعد في تقليل خطر انخفاض الصفائح الدموية لدى مرضى الحالات الحرجة الذين يتلقون المضاد الحيوي «لينزوليد»، بعدما انخفض معدل الإصابة بهذه المشكلة من 41.6% إلى 16.8% بين المرضى الذين حصلوا على العلاج.

وأُجريت الدراسة داخل وحدة العناية المركزة بمستشفى 15 مايو في القاهرة، خلال الفترة من أغسطس 2023 حتى يونيو 2025، وشارك فيها 250 مريضًا بالغًا من الحالات الحرجة، وفقًا لنتائج التجربة السريرية المنشورة في دورية Environmental Toxicology and Pharmacology عام 2026.

ويُستخدم «لينزوليد» لعلاج بعض العدوى البكتيرية الشديدة التي يصعب علاجها بالمضادات الحيوية الأخرى، ومن بينها أنواع من البكتيريا المقاومة لبعض المضادات الحيوية.

لكن من الآثار الجانبية المهمة لـ«لينزوليد» أنه قد يؤدي لدى بعض المرضى إلى انخفاض عدد الصفائح الدموية، وهي خلايا موجودة في الدم وتساعد الجسم على وقف النزيف وتجلط الدم.

وقد يؤدي انخفاض الصفائح بشكل كبير إلى زيادة خطر النزيف، كما قد يضطر الأطباء إلى إيقاف «لينزوليد» أو تغييره، وهو ما قد يؤثر على علاج العدوى، فضلًا عن إمكانية إطالة فترة بقاء المريض في العناية المركزة.

لماذا ركزت الدراسة على مرضى العناية المركزة؟

أوضحت الدراسة أن مرضى العناية المركزة يكونون أكثر عرضة لانخفاض الصفائح بسبب حالتهم الصحية المعقدة، ووجود أمراض ومضاعفات أخرى، بالإضافة إلى استخدام أدوية متعددة قد تؤثر أيضًا على الصفائح الدموية.

ويمكن أن تصل نسبة المرضى الذين يصابون بانخفاض الصفائح المرتبط باستخدام «لينزوليد» إلى 50% في بعض حالات العناية المركزة، خاصة عند استخدام المضاد الحيوي لفترات طويلة.

وكان يُعتقد أن انخفاض الصفائح المرتبط بالدواء يظهر عادة بعد نحو 14 يومًا من بدء العلاج، لكن دراسات أخرى أشارت إلى أنه يمكن أن يبدأ في وقت أقصر، خلال 5 إلى 11 يومًا من بدء استخدام «لينزوليد».

كيف يمكن أن يسبب «لينزوليد» انخفاض الصفائح؟

أشارت الدراسة إلى أن السبب الدقيق لهذه المشكلة ليس مفهومًا بشكل كامل، لكن هناك عدة عوامل قد تكون مسؤولة عنها، من بينها تأثير الدواء على نخاع العظم، وتفاعلات جهاز المناعة، ونقص فيتامين B6، بالإضافة إلى ما يعرف بـالإجهاد التأكسدي.

ويقصد بالإجهاد التأكسدي حدوث خلل بين المواد التي يمكن أن تضر الخلايا داخل الجسم والمواد التي تحميها من هذا الضرر.

وأوضحت الدراسة أن «لينزوليد» يمكن أن يؤثر على الميتوكوندريا، وهي الأجزاء الموجودة داخل الخلايا والمسؤولة عن إنتاج الطاقة، ما قد يؤثر بدوره على الخلايا التي تتحول إلى صفائح دموية.

كما أشارت أبحاث سابقة إلى وجود علاقة بين زيادة المواد التي تسبب الإجهاد التأكسدي وانخفاض بعض المواد المضادة للأكسدة لدى المرضى الذين يعانون من هذه المشكلة.

لماذا استخدم الباحثون إن-أسيتيل سيستين؟

اختار الباحثون إن-أسيتيل سيستين بسبب خصائصه المضادة للأكسدة، وهو دواء يُستخدم بالفعل في المستشفيات لعدد من الاستخدامات، من بينها علاج حالات التسمم الناتج عن تناول جرعات زائدة من «باراسيتامول»، كما يستخدم للمساعدة في إذابة الإفرازات والمخاط في بعض الحالات.

ويعمل إن-أسيتيل سيستين على مساعدة الجسم في إنتاج مادة الجلوتاثيون، وهي إحدى المواد التي تساعد الخلايا على مقاومة الضرر الناتج عن الإجهاد التأكسدي.

وكانت دراسات سابقة على الحيوانات قد أشارت إلى إمكانية أن يساعد إن-أسيتيل سيستين في تقليل الأضرار التي تصيب الصفائح الدموية نتيجة بعض الأدوية، لكن لم تكن هناك أدلة سريرية كافية على قدرته على الوقاية من انخفاض الصفائح الناتج عن «لينزوليد» لدى مرضى العناية المركزة.

لذلك صمم الباحثون التجربة الحالية لاختبار هذه الفكرة بشكل مباشر.

تجربة على 250 مريضًا

فحص الباحثون في البداية 294 مريضًا بالغًا من مرضى الحالات الحرجة الذين كانوا يحصلون على «لينزوليد» عن طريق الوريد، واستُبعد 42 مريضًا لعدم انطباق شروط المشاركة عليهم.

وبعد ذلك، جرى توزيع 252 مريضًا بصورة عشوائية على مجموعتين، حصلت إحداهما على إن-أسيتيل سيستين، بينما حصلت الأخرى على دواء وهمي لا يحتوي على المادة الفعالة.

وفي التحليل النهائي، شملت الدراسة 250 مريضًا، بواقع 125 مريضًا في مجموعة إن-أسيتيل سيستين و125 مريضًا في مجموعة الدواء الوهمي.

وحصل المرضى في مجموعة العلاج على 600 ملجم من إن-أسيتيل سيستين عن طريق الوريد كل 12 ساعة.

وتابع الباحثون المرضى حتى تعافي الصفائح الدموية، أو خروج المريض من العناية المركزة، أو لمدة تصل إلى 14 يومًا بعد إيقاف «لينزوليد».

واعتبر الباحثون أن المريض أصيب بنقص الصفائح المرتبط بـ«لينزوليد» إذا انخفض عدد الصفائح الدموية لديه إلى أقل من 150 ألف صفيحة لكل مليمتر مكعب من الدم، أو انخفض عددها بأكثر من 50% مقارنة بعددها قبل بدء العلاج.

إن-أسيتيل سيستين يخفض الإصابة بأكثر من النصف

وأظهرت النتائج أن 16.8% فقط من المرضى الذين حصلوا على إن-أسيتيل سيستين أصيبوا بانخفاض الصفائح الدموية، مقابل 41.6% من المرضى الذين حصلوا على الدواء الوهمي، ما يعني انخفاض معدل الإصابة بأكثر من النصف لدى المرضى الذين تلقوا العلاج.

كما انخفضت الحاجة إلى نقل الصفائح الدموية بشكل كبير؛ إذ احتاج 1.6% فقط من المرضى في مجموعة إن-أسيتيل سيستين إلى نقل الصفائح، مقابل 11.2% في مجموعة الدواء الوهمي.

تراجع إيقاف «لينزوليد»

ووجد الباحثون أيضًا أن المرضى الذين حصلوا على إن-أسيتيل سيستين كانوا أقل عرضة لإيقاف علاج «لينزوليد» بسبب انخفاض الصفائح الدموية.

وأوقف الأطباء «لينزوليد» لدى 6.4% من المرضى الذين حصلوا على إن-أسيتيل سيستين، مقارنة بـ32% في مجموعة الدواء الوهمي.

كما أظهرت النتائج أن إن-أسيتيل سيستين أخر ظهور نقص الصفائح الدموية لدى المرضى الذين تلقوه، في الوقت الذي ساعد فيه على تسريع عودة الصفائح إلى مستوياتها الطبيعية لدى المرضى الذين أصيبوا بانخفاضها.

الفائدة الأكبر ظهرت في بعض المرضى

وأشارت النتائج إلى أن الفائدة الأكبر من إن-أسيتيل سيستين ظهرت لدى المرضى الذين عانوا من انخفاض متوسط في عدد الصفائح الدموية.

كما لاحظ الباحثون تأثيرًا أكبر للعلاج لدى المرضى الذين ظهر لديهم انخفاض الصفائح في وقت مبكر بعد بدء استخدام «لينزوليد».

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تدعم احتمال وجود دور لإن-أسيتيل سيستين في حماية الصفائح الدموية من التأثيرات الضارة المرتبطة باستخدام «لينزوليد»، خاصة لدى مرضى العناية المركزة الأكثر عرضة للمضاعفات.

دراسة سابقة على 422 مريضًا

وتأتي هذه التجربة بعد دراسة سابقة أجراها فريق بحثي مصري ونُشرت عام 2025، وشملت 422 مريضًا بالغًا من مرضى العناية المركزة الذين حصلوا على «لينزوليد».

وأظهرت الدراسة السابقة إصابة 39.8% من المرضى بانخفاض الصفائح المرتبط باستخدام «لينزوليد».

ووجد الباحثون أن خطر الإصابة كان أعلى لدى المرضى الذين استخدموا «لينزوليد» لأكثر من 10 أيام، وكذلك لدى بعض المرضى المصابين بأورام صلبة أو الذين يخضعون للغسيل الكلوي، إضافة إلى ارتباط المشكلة بارتفاع مستوى اللاكتات واستخدام بعض الأدوية التي ترفع ضغط الدم.

وفي المقابل، ارتبط استخدام إن-أسيتيل سيستين بانخفاض احتمالات الإصابة بانخفاض الصفائح، وهو ما دفع الباحثين إلى إجراء التجربة الجديدة لاختبار هذه النتيجة من خلال تجربة عشوائية محكومة.

الباحثون: نحتاج إلى دراسات أكبر

وخلص الباحثون إلى أن استخدام إن-أسيتيل سيستين بجرعة 600 ملجم كل 12 ساعة عن طريق الوريد يبدو استراتيجية وقائية واعدة وآمنة لتقليل انخفاض الصفائح لدى المرضى البالغين شديدي الخطورة الذين يحصلون على «لينزوليد» لفترات قصيرة أو متوسطة.

لكن الدراسة أشارت إلى أن النتائج لا تعني أن إن-أسيتيل سيستين يمكن استخدامه بشكل روتيني لكل مريض يحصل على «لينزوليد»، خاصة أن التجربة أُجريت في مركز طبي واحد.

وأوضح الباحثون أن هناك حاجة إلى إجراء دراسات في عدة مستشفيات ومراكز طبية للتأكد من إمكانية تعميم النتائج على مرضى مختلفين وفي ظروف علاجية متنوعة.

كما أوصت الدراسة بأنه عند الحاجة إلى استخدام «لينزوليد» لفترات طويلة تتجاوز 30 يومًا، ينبغي التفكير في المضادات الحيوية البديلة التي يكون تأثيرها أقل على نخاع العظم، بينما يحتاج استخدام إن-أسيتيل سيستين لفترات طويلة إلى تقييم الفوائد والمخاطر لكل حالة على حدة.

ودعا الباحثون إلى إجراء دراسات مستقبلية لتقييم استخدام إن-أسيتيل سيستين لدى الأطفال، ودراسة جرعات مختلفة، إلى جانب إجراء مزيد من الأبحاث لفهم الطريقة التي يساعد بها الدواء في حماية الصفائح الدموية.

وأُجريت الدراسة في وحدة العناية المركزة بمستشفى 15 مايو في حلوان بالقاهرة، وحصلت على موافقة الجهات المختصة، وسُجلت التجربة السريرية على منصة ClinicalTrials.gov تحت رقم NCT05944458.