على مدار عقود، حكمت الأسر المصرية قراراتها المالية بقاعدة بسيطة: إذا لم يكن المبلغ متوفرًا اليوم، فيمكن تأجيل الشراء إلى وقت لاحق، لكن هذه القاعدة لم تعد تحكم طريقة اتخاذ القرارات كما كانت من قبل.
في مصر، تتخذ الأسر قراراتها المالية اليوم من منظور مختلف، يركز على التخطيط وإدارة السيولة وتحقيق الأهداف طويلة الأجل، أكثر من التركيز على القدرة الفورية على الدفع. ويظهر هذا التحول بوضوح في واحد من أهم القرارات التي تتخذها أي أسرة: وهو تعليم أبنائها.
يرى الدكتور حامد شمه أن المستهلك المصري مر بتحول جوهري في طريقة تفكيره. فقد جاء هذا التحول مدفوعاً بالضغوط الاقتصادية، والتحول الرقمي، واتساع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية. وباتت النظرة إلى التمويل اليوم أقرب إلى أداة استراتيجية تمكّن الأسر من تحقيق تطلعاتها طويلة المدى مع الحفاظ على مرونة مالية أكبر، بعدما كان يُنظر إليه سابقًا كحل أخير أو علامة على ضائقة مالية.
مفهوم جديد للقدرة على تحمل التكاليف
يعكس نمو الشمول المالي حجم هذا التحول؛ فوفقًا للبنك المركزي المصري، بلغت نسبة الشمول المالي 77.6% بنهاية عام 2025، مقابل 27.4% في عام 2016، ما أدخل ملايين المصريين إلى المنظومة المالية الرسمية. والأهم من ذلك، أن سلوك المستهلك نفسه قد شهد تغيّرًا ملحوظًا.
تقليديًا، كان السؤال الذي يطرحه المستهلك: هل نستطيع دفع المبلغ كاملًا مقدمًا؟ أما اليوم، فيتجه السؤال نحو: كيف يمكن إدارة هذا الالتزام المالي بشكل مستدام مع الحفاظ على الاستقرار المالي؟
ولم تعد القدرة على تحمل التكاليف مرتبطة بالسعر وحده، بل أصبحت ترتبط بدرجة أكثر بالمرونة، وإدارة التدفقات النقدية، والحفاظ على السيولة.
ويمكن تفسير هذا التحول بثلاثة عوامل رئيسية. أولها، الضغوط التضخمية والتحديات الاقتصادية التي دفعت الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بصورة أكثر دقة. وثانيها، التحول الرقمي الذي أتاح للمستهلكين التعرف على أنماط حياة جديدة، وتطلعات مختلفة، وأدوات مالية أكثر تنوعاً. أما العامل الثالث، فهو أن الأجيال الأصغر سناً أصبحت أكثر تقبلاً لاستخدام حلول التمويل الرسمية، وأكثر ميلاً إلى تقييم قرارات الشراء بناءً على قيمتها المستقبلية، وليس فقط تكلفتها الحالية.
وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى نضج متزايد في الاقتصاد الاستهلاكي المصري، حيث باتت الأسر تتخذ قراراتها المالية بعقلية تخطيطية طويلة الأجل، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى القدرة الفورية على الدفع.
التعليم: الاستثمار الأهم
ويُعد قطاع التعليم من أكثر القطاعات التي تجسد هذا التحول بوضوح. فالتعليم كان أولوية في حياة الأسرة المصرية، لكن دوره تطور؛ فاليوم أصبح يتجاوز كونه وسيلة للحصول على شهادة، ليعكس تطلعات نحو فرص عالمية، وقدرة أكبر على المنافسة في سوق العمل، ومستقبل أكثر اتساعاً للأبناء.
يشير الدكتور حامد شمه إلى أن هذه القرارات نادرًا ما تكون مالية بحتة، فالأسر تختار المدارس والجامعات متأثرة بعوامل تتجاوز الرسوم الدراسية والتصنيفات الأكاديمية، لتشمل الطموحات والهوية والمكانة الاجتماعية وتصوراتهم عن الفرص التي تتيحها المؤسسات التعليمية.
يفسر هذا البعد العاطفي سبب بقاء التعليم من أكثر بنود الإنفاق الأسري ثباتًا في مواجهة التقلبات الاقتصادية. فحتى في أوقات عدم اليقين، تميل الأسر إلى تأجيل السفر أو المشتريات الكبرى أو غيرها من النفقات الاختيارية، قبل التنازل عن تعليم أبنائها. في كثير من الأسر، تحوّل التعليم من مجرد بند في الميزانية إلى المحور الذي تُبنى حوله باقي القرارات المالية.
يوضح أحمد محسن أن التعليم يظل من أقل القطاعات حساسية للسعر في مصر، لأن الأسر تنظر إليه من زاوية العائد المستقبلي والحراك الاجتماعي والفرص المهنية.
في الوقت ذاته، تتغير ديناميكيات اتخاذ القرار؛ فبينما كانت الكلمة الأخيرة في اختيار الجامعة تقليديًا للآباء، أصبح أبناء جيل «زد» اليوم أكثر تأثيرًا في هذه العملية، بفضل وصولهم المباشر إلى المعلومات والمنصات الرقمية التي تمكنهم من مقارنة الجامعات والبرامج التعليمية محليًا ودوليًا، حيث يحددون المؤسسات التعليمية التي يفضلونها، ويقنعون أسرهم بجدوى الاستثمار فيها. ومع استمرار تطور الطموحات التعليمية، تتطور معها طريقة تمويل الأسر لها.
من تمويل الاستهلاك إلى الاستثمار في الطموحات
مع ارتفاع الطموحات التعليمية، تزداد كذلك الالتزامات المالية اللازمة لتحقيقها. فقد أدى التوسع في المؤسسات التعليمية الخاصة والدولية والمتخصصة إلى توفير خيارات أوسع للأسر، غير أن ارتفاع تكلفة الدراسة ساهم بدوره في اتساع الفجوة بين الطموح والقدرة على الدفع.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير الطلب المتزايد على تمويل التعليم على أنه مجرد عجز عن الدفع، فكثير من الأسر تلجأ بشكل متزايد إلى التمويل المرن لإدارة تدفقاتها النقدية بشكل أفضل، ومواءمة الأقساط مع مصادر الدخل، والحفاظ على السيولة، ودعم التخطيط المالي الأسري الأشمل.
أصبحت الأقساط أقل ارتباطًا بالقدرة الشرائية وأكثر ارتباطًا بتحقيق كفاءة أكبر في إدارة الموارد المالية. وفي ظل التضخم الاقتصادي، يوفر التمويل أيضًا حماية من الزيادات المستقبلية في الأسعار، إذ يتيح للأسر تثبيت تكلفة التعليم اليوم مع التخطيط بشكل أكثر فعالية للمستقبل.
يرى أحمد محسن أن هذا يعكس تطورًا أوسع في التمويل الاستهلاكي؛ فالتمويل التقليدي صُمم أساسًا لتسهيل عمليات الشراء، أما اليوم فهناك طلب متزايد على حلول مالية موجهة بالهدف ومصممة خصيصًا للالتزامات المصيرية في حياة الأسرة، مثل التعليم. فهذه التزامات متكررة وطويلة الأجل، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بمستقبل الأفراد.
نظرة إلى المستقبل
ومع استمرار تطور المنظومة المالية في مصر، قد لا يكون التحول الأهم هو التحول التكنولوجي، بل التحول في سلوك المستهلك نفسه. فالمرحلة المقبلة من التمويل الاستهلاكي لن تُقاس فقط بمدى اتساع فرص الحصول على التمويل، بل بقدرة المؤسسات على تقديم حلول تساعد الأسر على الاستثمار بثقة في القرارات التي ترسم مستقبلها.
بالنسبة لملايين الأسر المصرية، يظل التعليم أوضح مثال على هذا التحول، إذ يمثل أولوية راسخة، ويُنظر إليه بشكل متزايد كاستثمار في الفرص والحراك الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة.
مقال مشترك لـ: أحمد محسن، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة لايم للتمويل الاستهلاكي، والأستاذ الدكتور حامد شمه، أستاذ التسويق وخبير سلوك المستهلك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

