الخميس, 14 مايو 2026, 16:30
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : الصين وإيران تحالف مصالح بدون عقيدة

الصين وإيران… تحالف المصالح لا تحالف العقيدة

بقلم اللواء / شريف جمجوم

الخبير الأمني والاستراتيجي

في عالم السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة بقدر ما توجد مصالح دائمة، وهي القاعدة التي تبدو حاكمة للعلاقة المعقدة بين الصين وإيران. فبرغم ما يظهر أحيانًا من تقارب سياسي واقتصادي بين البلدين في مواجهة الضغوط الغربية، فإن طبيعة العلاقة بين بكين وطهران تبقى محكومة بحسابات براغماتية دقيقة، تديرها الصين بعقل القوة الاقتصادية الكبرى لا بعاطفة التحالفات التقليدية.

خلال السنوات الأخيرة، عززت الصين حضورها داخل إيران عبر اتفاقات استراتيجية طويلة الأمد، واستفادت من النفط الإيراني بأسعار تفضيلية، في وقت كانت فيه طهران تعاني من العقوبات الأمريكية والعزلة الاقتصادية. كما رأت بكين في الموقع الجغرافي الإيراني أهمية خاصة ضمن مشروع “الحزام والطريق”، الذي تسعى من خلاله إلى إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية وربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط.

غير أن هذا التقارب لا يعني بالضرورة وجود التزام صيني غير مشروط تجاه إيران. فالصين، بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تدرك أن مصالحها الحيوية ترتبط بالاستقرار الدولي وبالعلاقات التجارية الواسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهي علاقات تفوق بمراحل حجم المصالح المشتركة مع طهران. ولهذا تتجنب بكين عادة الانخراط في صدامات مباشرة مع الغرب دفاعًا عن حلفائها، مفضلة سياسة التوازن والحياد الحذر.

وتكشف التحركات الصينية في الشرق الأوسط عن رغبة واضحة في بناء شبكة علاقات متوازنة تشمل إيران ودول الخليج العربي في آن واحد، وهو ما ظهر جليًا في دورها الدبلوماسي المتنامي في المنطقة، وسعيها للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني بصورة أساسية.

وفي ضوء التوترات المتكررة بين إيران والولايات المتحدة، يبرز تساؤل جوهري حول حدود الدعم الصيني لطهران. فهل يمكن أن تضحي بكين بعلاقاتها الاقتصادية العملاقة مع الغرب من أجل إيران؟ المؤشرات السياسية والاقتصادية توحي بأن الصين ستظل حريصة على حماية مصالحها الكبرى أولًا، حتى وإن اقتضى الأمر تقليص مستوى دعمها لشركائها التقليديين.

من هنا تبدو العلاقة الصينية الإيرانية أقرب إلى “شراكة ضرورة” منها إلى تحالف استراتيجي صلب. فإيران تحتاج إلى الصين كمنفذ اقتصادي وسياسي في مواجهة العقوبات، بينما تحتاج الصين إلى إيران كمصدر للطاقة وكممر جيوسياسي مهم. لكن هذه العلاقة، مهما بدت قوية، تبقى محكومة بسقف المصالح الصينية العليا، وهي مصالح قد تدفع بكين في أي لحظة إلى إعادة ترتيب أولوياتها إذا تغيرت موازين القوى الدولية