السبت, 21 فبراير 2026, 19:26
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : الجريمة المنظمة وغسل الأموال

 

الجريمة المنظمة وغسل الأموال:

شبكة خفية تهدد أمن الدول واقتصاداتها

بقلم : اللواء شريف جمجوم

خبير أمني واستراتيجي

في عالم تتسارع فيه حركة الأموال وتتجاوز فيه الجرائم الحدود الجغرافية، باتت الجريمة المنظمة العابرة للحدود واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الدول الحديثة، ليس فقط لما تمثله من تهديد أمني مباشر، بل لما ترتبط به من ظواهر أشد خطورة مثل غسل الأموال، والفساد، وتمويل الإرهاب.

من عصابات محلية إلى شبكات عابرة للقارات

لم تعد الجريمة المنظمة مجرد عصابات تعمل داخل حدود دولة واحدة، بل تحولت إلى شبكات دولية معقدة، تستفيد من العولمة والتكنولوجيا الحديثة. فمن القرصنة البحرية قديمًا، إلى المافيا الإيطالية والياكوزا اليابانية وكارتلات المخدرات في أمريكا اللاتينية، تطورت هذه التنظيمات لتصبح كيانات اقتصادية غير مشروعة تدير مليارات الدولارات سنويًا.

وتعتمد هذه الجماعات على الاستمرارية والتنظيم المحكم، وتعمل في أكثر من دولة، مستهدفة الربح المالي أولًا، مستخدمة العنف والرشوة واختراق مؤسسات الدولة كوسائل لحماية نشاطها.

غسل الأموال… الوجه الخفي للجريمة

تمثل عمليات غسل الأموال العمود الفقري للجريمة المنظمة، إذ بدون “تنظيف” العائدات غير المشروعة، لا يمكن لتلك الشبكات الاستمرار. وتشمل مصادر الأموال القذرة تجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وتهريب السلاح، والفساد، والجرائم الإلكترونية.

وتتنوع أساليب غسل الأموال بين:
• إيداع الأموال عبر بنوك خارجية
• القروض الوهمية
• الفواتير التجارية المزورة
• شراء العقارات والمعادن الثمينة
• استغلال الإنترنت والعملات الرقمية

وهو ما يجعل اكتشافها وملاحقتها أمرًا بالغ التعقيد.

تقاطع المصالح بين الجريمة المنظمة والإرهاب

رغم اختلاف الأهداف بين التنظيمات الإجرامية والجماعات الإرهابية، إلا أن الواقع يكشف عن تعاون خطير بين الطرفين. فالإرهاب يحتاج إلى التمويل، والجريمة المنظمة توفره، بينما تستخدم العصابات أساليب الإرهاب لحماية طرقها وشبكاتها، في علاقة تبادلية تهدد الأمن الإقليمي والدولي.

آثار مدمرة على المجتمعات والدول

لا تقتصر خطورة غسل الأموال والفساد على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى:
• إضعاف العملات الوطنية
• تشويه بيئة الاستثمار
• اتساع الفجوة الطبقية
• تقويض الثقة في مؤسسات الدولة
• تمويل العنف والتطرف

وهي نتائج تجعل من هذه الجرائم تهديدًا مباشرًا للاستقرار السياسي والاجتماعي.

تعاون دولي… ضرورة لا خيار

أدرك المجتمع الدولي أن أي دولة بمفردها عاجزة عن مواجهة هذه الشبكات، فكان الاتجاه نحو التعاون الدولي من خلال:
• تسليم المجرمين
• تجميد ومصادرة الأموال
• تبادل المعلومات
• الإنابة القضائية
• تنفيذ الأحكام الأجنبية

وتلعب المنظمات الدولية دورًا محوريًا في هذا الإطار، سواء عبر وضع السياسات، أو تدريب الكوادر، أو تمويل برامج المكافحة، فضلًا عن الدور الحيوي للإنتربول في ملاحقة المجرمين دوليًا.

البنوك في خط المواجهة الأول

تُعد المؤسسات المالية خط الدفاع الأول ضد غسل الأموال، من خلال تطبيق قواعد “اعرف عميلك”، ومراقبة التحويلات المشبوهة، والإبلاغ الفوري عن أي نشاط غير معتاد، وهو ما يتطلب تشريعات صارمة وتنسيقًا مستمرًا مع الجهات الرقابية.

خلاصة المشهد

تكشف هذه الدراسة أن الجريمة المنظمة، وغسل الأموال، والفساد، والإرهاب ليست ظواهر منفصلة، بل شبكة واحدة مترابطة تهدد كيان الدول واقتصاداتها. ولا سبيل لمواجهتها إلا عبر إرادة سياسية حقيقية، وتشريعات محدثة، وتعاون دولي شامل يواكب تطور الجر