أكد عدد من الخبراء والمختصين في الشأن الاقتصادي أن ميزانية سلطنة عُمان لعام 2026 تعكس انتقالًا مدروسًا للاقتصاد الوطني من مرحلة الاستقرار المالي إلى مرحلة النمو المنضبط، في ظل متغيرات اقتصادية وجيوسياسية إقليمية وعالمية متسارعة. وأوضحوا أن الميزانية جاءت امتدادًا لما تحقق خلال السنوات الماضية من تحسن ملموس في المؤشرات المالية، بعد فترة ركزت فيها السياسات المالية على خفض العجز والدين العام، مشيرين إلى أن التوجه الحالي يعزز الإنفاق التنموي والاستثماري دون الإخلال بالانضباط المالي، بما يدعم استدامة المالية العامة ويعزز قدرة الاقتصاد العُماني على امتصاص الصدمات.
وبين الخبراء أن الميزانية حافظت على توازنها بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، من خلال استمرار دعم الفئات المستحقة وتمويل الخدمات الأساسية، وكذلك تحفيز القطاعات غير النفطية والاستفادة من التحسن في التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، واعتماد تقديرات واقعية للإيرادات والمصروفات وسعر تحوطي للنفط، بما يعكس نهجًا احترازيًا في إدارة الموارد العامة ومتسقًا مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040».
تأتي ميزانيَّة سلطنة عُمان لعام 2026 امتدادًا لنهج مالي راسخ اعتادت عليه الدولة في إدارة مواردها عَبْرَ عقود من التعامل مع تقلُّبات أسواق الطاقة ودَوْرات الاقتصاد العالمي؛ فالتحوُّط المالي شكَّل دائمًا أحد أعمدة الرؤية العُمانيَّة في إدارة المال العام، وهو ما ينعكس بوضوح في اعتماد متوسط سعر نفط عند (60) دولارًا للبرميل، وهو خيار يعكس قراءة واقعيَّة للمخاطر المحيطة بالاقتصاد العالمي، وتوازنًا محسوبًا بَيْنَ الطموح والحذر. فهذا النهج يظهر اليوم في صورة أكثر نضجًا، حيثُ يقترن التحفظ السعري بقدرة أوضح على ضبط العجز، وإدارة الدَّيْن العام، ورفع كفاءة الإنفاق دون الإخلال بالالتزامات التنمويَّة والاجتماعيَّة، كما أنَّ انخفاض العجز إلى مستويات محدودة قياسًا بالناتج المحلِّي والإيرادات يكشف أنَّ الماليَّة العامَّة باتتْ تُدار بمنطق الاستباق لا بمنطق رد الفعل، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أعلى على امتصاص الصدمات والحفاظ على استقراره. لقد ظهرت ميزانيَّة 2026 كحلقة متقدمة في مسار إدارة هادئة ومتدرجة، مسار يضع الاستقرار في موقع القاعدة الَّتي يبنى عليها النُّمو، ويؤكد أنَّ الواقعيَّة الماليَّة أصبحت جزءًا أصيلًا من هُوِيَّة القرار الاقتصادي العُماني.
تكشف الأرقام الَّتي أعلنتها ميزانيَّة 2026 تتحرك بعقل منظَّم، تستخدم الإنفاق لتوجيه النشاط الاقتصادي، وتحوّل الاستقرار المالي إلى منصَّة إنتاج، حيثُ يصبح المال العام أداة تحفيز تخلق حركة، وتبني ثقة، وتدفع الاقتصاد نَحْوَ نُمو أوسع وأكثر توازنًا؛ فقد قدَّمت ميزانيَّة 2026 صورة مختلفة لِدَوْر الإنفاق العام، صورة تتجاوز فكرة السيطرة على العجز إلى إعادة هندسة مسار النُّمو ذاته، فتمَّ تخصيص ما يقارب (1.3) مليار ريال عُماني للمشروعات الإنمائيَّة ضمن إطار الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، إلى جانب استحداث مسار مستقل لمشروعات التحوُّل الاقتصادي بتمويل سنوي يبلغ (400) مليون ريال عُماني، وهو ما يعكس توجُّهًا عمليًّا نَحْوَ ربط المال العام بالعائد الاقتصادي المباشر، كما يظهر هذا التوَجُّه كذلك في ارتفاع المصروفات الاستثماريَّة المتوقعة إلى نَحْوِ (1.4) مليار ريال عُماني، بما يسرع وتيرة تنفيذ المشروعات ويخلق طلبًا حقيقيًّا على الخدمات والمقاولات وسلاسل التوريد المحليَّة، حيثُ يسجل الاستثمار الأجنبي المباشر نموًّا لافتًا ليصلَ إلى (30.3) مليار ريال عُماني حتَّى الربع الثالث من 2025، بَيْنَما ترتفع القِيمة السوقيَّة لبورصة مسقط إلى أكثر من (32) مليار ريال عُماني، وهو ما يعكس تفاعل السوق مع وضوح السياسات واستقرار التوجُّهات.
تكشف القراءة التحليلية لميزانيَّة 2026 فكرة محوريَّة مفادها أنَّ الاستقرار الاجتماعي في عُمان أضحى ركيزة بناء اقتصادي مستدام، فتخصيص ما يقارب (5.2) مليار ريال عُماني للقِطاعات الاجتماعيَّة والأساسيَّة، بما يعادل (44) بالمئة من إجمالي الإنفاق العام، يكشف تصورًا يَعدُّ التعليم والصحَّة والحماية الاجتماعيَّة والإسكان عناصر إنتاج غير مباشرة، تصنع الثقة وتؤسِّس لسوق أكثر تماسكًا؛ بما يحوِّل الاستقرار إلى أصل اقتصادي طويل الأجل، ويمنح المسار التنموي قدرة أعلى على الاستمرار في عالم سريع التقلب.

