الأحد, 28 يونيو 2026, 13:08
نافذة الرأى

قراءة في انتخابات نادي قضاة مصر

على مدار سنوات من متابعتي لانتخابات نادي قضاة مصر، أدركت أن قراءة النتائج لا ينبغي أن تتوقف عند أسماء الفائزين، وإنما تمتد إلى الرسائل التي تحملها صناديق الاقتراع، وما تعكسه من اتجاهات داخل الجمعية العمومية، التي تظل صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار من يمثلها.

وقد حملت انتخابات هذا العام أكثر من رسالة تستحق التوقف، كان أبرزها أن القاضي المصري لا يزال يصنع قراره بنفسه، ويمنح صوته لمن يقتنع به، بعيدًا عن أي مؤثرات، وهو ما يؤكد أن استقلال الإرادة يظل السمة الأبرز لرجال القضاء.

ومن بين المشاهد التي استوقفتني، تجربة المستشار أشرف عيسى، الذي خاض المنافسة على مقعد السادة المستشارين المتقاعدين مرشحًا مستقلاً، دون أن ينضم إلى أي قائمة انتخابية، في حين انتمى منافسوه إلى قوائم انتخابية منظمة تمتلك بطبيعتها إمكانات أكبر في التنسيق والحشد.

وكان من الطبيعي أن يتوقع كثير من المتابعين أن يكون للقوائم أفضلية واضحة، إلا أن النتيجة النهائية حملت رسالة مختلفة؛ إذ أثبتت أن التاريخ المهني، والاحترام الشخصي، والثقة التي يبنيها القاضي بين زملائه عبر سنوات عمله، تظل عوامل لا تقل تأثيرًا عن أي تنظيم انتخابي.

ولم يفصل المستشار أشرف عيسى عن الفوز سوى تسعة أصوات فقط، وهو فارق بالغ الضآلة إذا ما قورن بعدد المشاركين في الجمعية العمومية، بما يعكس حجم التأييد الذي حظي به، ويؤكد أن المرشح المستقل يستطيع أن ينافس بقوة متى امتلك رصيدًا حقيقيًا من الثقة والاحترام.

وما لفت الانتباه كذلك أن حملته الانتخابية جاءت مختلفة عن النمط التقليدي؛ فلم يعتمد على الزيارات المكثفة أو الاتصالات الفردية، ولم يدخل في تحالفات انتخابية، بل فضل التواصل مع زملائه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، احترامًا لوقتهم، وعرض عليهم برنامجه الانتخابي ورؤيته في هدوء، تاركًا لكل قاضٍ حرية الاختيار وفقًا لقناعته.

كما أن خطابه الانتخابي اتسم بالرصانة، وركز على تطوير الخدمات النقابية، والاهتمام بالسادة المستشارين المتقاعدين، ودعم شباب القضاة، والاستفادة من خبراته الطويلة في مجالات القضاء والتحكيم والوسائل البديلة لفض المنازعات، دون أن ينزلق إلى الإساءة لأي منافس أو التشكيك في أحد.

ولعل أكثر ما يستحق التقدير لم يكن قوة المنافسة فحسب، وإنما الموقف الذي أعقب إعلان النتيجة؛ إذ بادر المستشار أشرف عيسى بتهنئة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة المنتخبين، ووجّه الشكر لكل من منحه ثقته، مؤكدًا أن خدمة قضاة مصر لا ترتبط بمقعد في مجلس الإدارة، وإنما هي رسالة ومسؤولية تستمر في كل موقع.

وهذه الرسالة، في تقديري، لا تقل أهمية عن نتيجة الانتخابات نفسها؛ فهي تعكس احترامًا صادقًا لإرادة الجمعية العمومية، وإيمانًا بأن الاختلاف في الاختيار لا ينبغي أن يمس وحدة الأسرة القضائية أو روابط الزمالة التي تجمع أبناءها.

ولا يعني إبراز هذه التجربة التقليل من شأن القوائم الانتخابية أو من حق المرشحين في تشكيلها، فهي إحدى صور العمل الانتخابي المشروع، ولكن ما أكدته هذه الانتخابات أن القوائم لا تلغي قيمة المرشح المستقل، ولا تحجب أثر التاريخ المهني والسيرة الطيبة، وأن احترام الزملاء يظل رصيدًا لا تمنحه القوائم ولا تنزعه النتائج.

كما تستحق الجمعية العمومية لنادي قضاة مصر كل التحية والتقدير، بعدما قدمت نموذجًا راقيًا في المشاركة والمسؤولية، وأكدت مرة أخرى أن نادي القضاة سيظل بيتًا لكل أبنائه، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد وحدة الصف القضائي.

وختامًا، فإن التهنئة الخالصة تبقى واجبة لرئيس وأعضاء مجلس الإدارة المنتخبين، بعد أن نالوا ثقة زملائهم، مع الأمنيات لهم بالتوفيق في أداء مسؤولياتهم، والعمل على تحقيق ما يتطلع إليه قضاة مصر من تطوير وحفاظ على مكانة ناديهم العريق.

أما المستشار أشرف عيسى، فقد خرج من هذه الانتخابات برصيد ربما يكون الأهم؛ وهو احترام قطاع كبير من زملائه وثقتهم، وهي قيمة لا تُقاس بعدد المقاعد، بل تبقى شاهدًا على تاريخ مهني مشرف، وسيرة طيبة، وتجربة أكدت أن المرشح المستقل، متى امتلك الكفاءة والاحترام، يظل قادرًا على فرض حضوره حتى في أصعب المنافسات.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي حملتها انتخابات نادي قضاة مصر هذا العام.