تأخذ الحرب الراهنة في منطقة الخليج والشرق الأوسط أبعادا تتجاوز الصدام العسكري التقليدي لتتحول إلى معركة كسر عظام اقتصادية تستهدف عصب النظام المالي العالمي المتمثل في الذهب والبترول وسلاسل إمداد الغذاء، حيث تتقاطع المطامع الصهيونية التوسعية مع الرغبة الأمريكية في خنق التنين الصيني عبر التحكم في نقاط الاختناق الجيوبوليتيكية،، ومن منظور مهني دقيق فإن محاولات إسرائيل لفرض واقع جيوسياسي جديد عبر ضرب العمق الإقليمي وتدشين مشاريع بديلة لقناة السويس تهدف في جوهرها إلى تحويل الكيان إلى مركز ثقل لوجستي وأمني يتحكم في تدفقات الطاقة والسلع الاستراتيجية.
غير أن هذا الطموح اصطدم بتآكل نظرية الردع بعد وصول الرشقات الصاروخية إلى قلب تل أبيب مما تسبب في نزيف حاد لرأس المال الاستثماري ورفع كلفة التأمين السيادي وتأتي واشنطن لتوظف هذا الاضطراب ضمن استراتيجية توريط تهدف لعرقلة الصين التي تعتمد بشكل كلي على نفط الخليج وممراته البحرية لضمان أمنها الغذائي والصناعي.
فإغلاق أو تهديد مضيق هرمز وباب المندب يعني مباشرة قفزات جنونية في أسعار البترول وتكاليف الشحن مما يضرب تنافسية البضائع الصينية ويرفع فاتورة الغذاء العالمية في وقت حساس يعاني فيه النظام النقدي من تضخم مزمن وفي هذا السياق يبرز الذهب كالملاذ الأخير والوحيد وسط انهيار الثقة في العملات الورقية والديون السيادية حيث تشهد الأسواق تكالبا من البنوك المركزية الكبرى على حيازة المعدن الأصفر تحوطا من انفجار جيوسياسي قد يطيح بنظام البترودولار.
إن ما يحدث الآن هو محاولة أمريكية إسرائيلية لإعادة تسعير المخاطر العالمية عبر سلاح الجوع والطاقة لإجبار الأقطاب الصاعدة على الانصياع لقواعد الاشتباك الجديدة بينما تدرك القوى الإقليمية أن حماية السيادة تبدأ من امتلاك القدرة على تعطيل هذه الشرايين الاقتصادية الحيوية مما يجعلنا أمام صراع صفري ستكون نهايته إما ولادة نظام مالي متعدد الأقطاب مدعوم بالذهب والأصول الحقيقية أو انزلاق العالم نحو كساد تضخمي كبير يغير خارطة القوى الدولية للأبد.
تتبلور ملامح المشهد الراهن عبر تقاطع حاد للمصالح الاستراتيجية بين القوى الاقليمية والكبرى حيث تضع جمهورية مصر العربية ودول الخليج العربي ثقلها الدبلوماسي لتثبيت ركائز الاستقرار الامني وحماية ممرات التجارة والطاقة العالمية باعتبارها اولوية قصوى لضمان استدامة مشاريعها التنموية الكبرى وفي المقابل تسعى الجمهورية التركية لتعزيز نفوذها السياسي من خلال تبني خطاب تصعيدي وادوار وساطة اقليمية طموحة .
اما على الصعيد الآسيوي فتمثل باكستان والهند طرفي نقيض في التوجهات اذ تتمسك باكستان بمواقفها المبدئية والتقليدية الداعمة للقضايا الاسلامية بينما تتبنى الهند سياسة الواقعية الجيوسياسية التي تسعى من خلالها للموازنة الدقيقة بين شراكاتها التكنولوجية والاستراتيجية مع اسرائيل ومصالحها الحيوية العميقة مع العالم العربي ومصادر الطاقة.

