الإثنين, 23 مارس 2026, 8:05
نافذة الرأى

د سعيد دراز يكتب : إبادة الشعوب تمهيدا للبطل الغائب !!

تتداخل الاساطير الدينية في نسيج الواقع السياسي المعاصر بشكل مرعب، حيث تتحول الحكايات الغيبية الى خرائط عسكرية تقود شعوبا بأكملها نحو حتفها… فالحديث عن حرب كونية بين ملكين لا وجود لهما في الحيز المادي هما: “المسيح المنتظر” و “المهدي المنتظر” ليس مجرد ترف فكري او ايمان روحي بل هو المحرك الفعلي لصراعات دموية تدار بعقول حية وضحايا من لحم ودم.

ان القوى التي تغذي هذه الخرافات تدرك جيدا ان الشعوب التي تعيش على امل المخلص الغيبي هي شعوب قابلة للاستدراج نحو معارك وهمية تخدم اجندات السيطرة والنفوذ.. حيث يتم تجريد الانسان من ارادته وقدرته على التغيير وإقناعه بأن مصيره معلق بظهور قائد شبحي سيسوي الحسابات التاريخية بالسيف والنار ان هذا التوظيف القذر للمقدس جعل من الشخصيات المنتظرة مجرد اقنعة يرتديها سماسرة الحروب لتبرير القتل والدمار تحت مسميات القداسة والتمهيد لليوم الموعود ،، بينما الحقيقة المرة هي ان هؤلاء الملوك لا يملكون وجودا الا في بطون الكتب القديمة وفي مخيلة اولئك الذين عجزوا عن مواجهة واقعهم بوعي وعلم.

ان الاستمرار في حشد الارواح خلف رايات غيبية هو انتحار جماعي تقوده اوهام العظمة والتعويض النفسي عن الهزائم المتلاحقة.

ان التحذير الواجب اطلاقه الان وبأعلى صوت هو انكم تساقون كالقطعان الى مسلخ التاريخ تحت ذريعة نصرة ملوك لن يأتوا ابدا وان هذه الحروب التي تخطط لها الاساطير لن تترك خلفها مقدسا او مدنسا بل ستحرق الاخضر واليابس وتترككم رمادا في مهب الريح بينما يضحك المحرضون المختبئون خلف ستار الدين على سذاجتكم التي فاقت كل وصف ان لم تستفيقوا من سكرة الغيب وتدركوا ان عدوكم الحقيقي هو الجهل الذي يقدس الاوهام فأنتم محكومون بالفناء في معركة وهمية لا ابطال لها الا في رؤوسكم ولا ضحايا لها الا انتم واطفالكم. فكفوا عن انتظار المخلصين وابدأوا في انقاذ انفسكم قبل ان يطبق الصمت الابدي على حضارتكم المتهالكة.

إن عملية إسقاط النصوص الدينية على الواقع السياسي ليست وليدة الصدفة بل هي استراتيجية محكمة تعتمد على الانتقائية وتجريد النص من سياقه الزماني والمكاني ففي الفكر الصهيوني المسيحاني يتم استدعاء نصوص العهد القديم والنبوءات التي تتحدث عن تجميع الشتات وبناء الهيكل المزعوم ليس كوعود روحية بل كخطط عمل سياسية تبرر الاستيطان والحروب الاستباقية.. حيث يتم تصوير كل من يعارض هذا المشروع كأنه “يأجوج ومأجوج” الذي يجب سحقه لتعجيل ظهور الملك المنتظر وفي المقابل نجد في الفكر الإنجيلي الأصولي في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة تيارا يؤمن بأن دعم هذه الحروب هو واجب ديني لأن معركة هرمجدون هي قدر محتوم لا يمكن تجنبه بل يجب التمهيد له بشتى الوسائل العسكرية والسياسية وهذا يحول السياسة الخارجية من رعاية المصالح إلى تنفيذ نبوءات غيبية .

أما في القراءة الشيعية المتطرفة لعلامات الظهور فإن التلاعب يحدث عبر ربط شخصيات معاصرة بأسماء وردت في الروايات مثل السفياني أو اليماني، وأساطير سطرت منذ قرون طوال ، مما يمنح القادة السياسيين قداسة مطلقة ويجعل أتباعهم يندفعون نحو الموت ظنا منهم أنهم يشاركون في الملحمة الكبرى التي تسبق ظهور المهدي إن هذا التوظيف المشترك بين هذه الأطراف يعتمد على مغالطة منطقية كبرى وهي اعتبار الظلم والدمار شرطا ضروريا للعدل الإلهي مما يجعل الفوضى هدفا بحد ذاته.

ان الخطورة تكمن في أن هذه القوى المتصارعة تغذي بعضها البعض فكل طرف يستخدم تطرف الآخر كدليل على اقتراب الساعة وصحة نبوءاته مما يخلق حلقة مفرغة من الكراهية المسلحة بالدين والنتيجة هي تحويل العالم إلى مسرح لمسرحية دموية أبطالها غائبون وضحاياها هم الشعوب التي صدقت أن القتل هو طريق الجنة .

ان التحذير الأخير والأكثر حدة هو أنكم لستم بصدد انتظار مخلصين بل بصدد إبادة جماعية تشرعنها نصوص قديمة بأيدي سياسيين معاصرين لا يؤمنون بشيء سوى سلطتهم فإذا لم يتحرر العقل من قيود هذه الإسقاطات الزائفة فإن المحرقة القادمة لن تفرق بين مؤمن بمهدي أو منتظر لمسيح بل ستأكل الجميع في أتون جهل لا ينطفئ.