تشهد أسواق النفط العالمية واحدة من أكثر موجات التراجع حدة منذ جائحة كورونا، حيث فقدت عقود خام غرب تكساس الوسيط نحو 14% من قيمتها في يومين فقط، ليستقر سعر البرميل عند حدود 61 دولارًا.
أما خام برنت، فقد أنهى تعاملاته عند أدنى مستوى له منذ عام 2021، في مشهد أربك توقعات الأسواق والدول المستوردة للطاقة على حد سواء.
مصر على مفترق طرق
في القاهرة، تأتي هذه التطورات قبيل انعقاد لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية، ما يضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: الالتزام بخطط الإصلاح المالي وخفض الدعم، في مقابل التفاعل مع المتغيرات العالمية التي قد تفرض تهدئة في وتيرة رفع الأسعار.
فقبل أسبوعين فقط، كانت التوقعات تشير إلى اتجاه مؤكد نحو زيادة أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 10%، استنادًا إلى ارتفاعات سابقة في أسعار النفط العالمية، وتراجع الجنيه أمام الدولار، والضغوط المتزايدة على الموازنة العامة.
فهل تلتزم الحكومة بالزيادة المتوقعة التي قدرتها مصادر مطلعة بنحو 10%؟ أم تعيد حساباتها تأثرًا بتراجع الأسعار العالمية للنفط؟ هذا السؤال بات مطروحًا بقوة داخل الأوساط الاقتصادية، وفي الشارع المصري على حد سواء.
سياسة التسعير المرنة
في هذا السياق، يؤكد القبطان صالح حجازي، خبير الخدمات الملاحية البترولية فى تصريحات خاصة لـ ” جلوبال إيكونومي”، أن آلية التسعير في مصر لا تستند فقط إلى أسعار النفط العالمية، بل تشمل أيضًا عوامل أخرى مثل سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وتكاليف النقل والتكرير، وغيرها من العوامل المؤثرة.
وقال حجازي إن “الحكومة المصرية ستقوم – على الأرجح – بمراجعة حساباتها بناءً على متوسط السعر العالمي للنفط خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وهو المؤشر الرئيسي المعتمد في لجنة التسعير”.
وأضاف: “الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة ليست ذات تأثير مباشر على أسعار النفط، بينما السبب الرئيسي في الهبوط يعود إلى تخمة المعروض، بعد قرار أوبك+ برفع معدلات الإنتاج”.
طبيعة السوق
ويرى حجازي أن “الحكومة تتحرك ضمن آلية مرنة وليس تسعيرًا جامدًا، فهناك نطاق تحرك محدد مرتبط بالسعر العالمي للبرميل، وفي ظل الانخفاض الحاد الحالي، فإن الزيادة المخططة ربما يتم تقليصها أو تأجيلها مؤقتًا، بما يتماشى مع طبيعة السوق وتقلباته”.
وأشار إلى أن قرار الحكومة في وقت سابق برفع أسعار المنتجات البترولية استند إلى متوسطات مرتفعة لأسعار النفط، لكن الظروف اختلفت اليوم، ما يجعل احتمالات الزيادة الكاملة غير منطقية في ظل المعطيات الجديدة.
التسعير في مصر
تقوم لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في مصر بتحديث الأسعار كل ثلاثة أشهر، بناءً على معادلة تتضمن أسعار خام برنت، بالإضافة إلى سعر الصرف، فضلاً عن تكاليف النقل والتكرير .
وتُحدَّد الأسعار بما لا يتجاوز نسبة 10% من السعر السائد، كما تسعى الحكومة من خلال هذه الآلية إلى ضبط السوق دون إثقال كاهل الموازنة، ضمن خطة رفع تدريجي للدعم مع توجيه الحماية الاجتماعية إلى مستحقيها.
عوامل خارجية
وتعود أبرز أسباب انخفاض أسعار النفط، إلى زيادة المعروض في الأسواق العالمية، بعد قرار تحالف أوبك+ بزيادة الإنتاج بنحو 411 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من مايو المقبل.
كما أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية جديدة أثار مخاوف من اندلاع حرب تجارية، قد تؤثر على الطلب العالمي على النفط.
ورغم تلك الرسوم، أكدت الإدارة الأمريكية أن واردات النفط والغاز ستظل معفاة من القيود الجديدة، في محاولة لاحتواء حالة الذعر في الأسواق.
وفي وقت سابق، أكد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء أن تسعير الوقود يخضع لقرارات حاسمة تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي .
وأضاف رئيس الوزراء، أن الحكومة تعمل وفق خطة واضحة، مؤكدًا أنه مع نهاية العام الجاري، سيتم رفع الدعم عن الوقود تدريجيًا، مع الإبقاء على دعم موجه للفئات المستحقة، في إطار جهود الدولة لترشيد الإنفاق والحد من نزيف الموارد .
ثلاث زيادات فى 2025
وتشير مصادر خاصة لـ”جلوبال إيكونومي” إلى أن عام 2025 قد يشهد ثلاث زيادات جديدة في أسعار الوقود، على غرار عام 2024، تبدأ في أبريل وتستمر حتى أكتوبر، ما يتطلب وضع خطط للتعامل مع موجات تضخمية متوقعة.
ويبقى القرار الآن في ملعب الحكومة المصرية، التي باتت مطالبة بالموازنة بين معطيات السوق العالمي، والتزاماتها المالية الداخلية، ومع اقتراب اجتماع لجنة التسعير خلال الأيام القليلة القادمة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الدولة ستعيد ترتيب أوراقها، أم تمضي قدمًا في خطتها، بصرف النظر عن “الرياح العالمية”.