الثلاثاء, 13 يناير 2026, 11:27
الرئيسية نافذة الرأى

المستشار محمد منسي يكتب: الاستثمار في الذات .. كيف نجمع الجماهير حول اقتصاد النماء؟

كم من الدول ولن اقول الأمم قد تصدعت وتمايلت وزاغت اطيافها وانهارت قواها وسقطت اعمدتها وتم اختطاف هويتها ورموزها وآثارها ومقوماتها ومكوناتها الحضارية و انهدمت علي اثرها ذواتها الثلاث القومية والوطنية والشعبية .

كم من المجتمعات التي باتت بلا ابواب ولا نوافذ ولا جدران ..، وكم من الشعوب التي تأثرت وتبعثرت وتناثرت فئاتها في دروب اللجوء و الوفود و الورود علي اراضي غير اراضيها ، كم من الآلام تحملها ويتحملها الملايين من السكان الأصليين من جراء تواجدهم في وطن غير وطنهم الأصيل، وكم من جيل بل أجيال ستدفع غرامات فادحة كأثمان باهظة للإسراف في الموارد والتبذير في المكتسبات وللافراط في اللامبالاة والتفريط في صون و طهارة و جودة و كفاءة وصحة ذواتها الثلاث القومية والوطنية والشعبية.

ما أكثر عدد المرات التي اشرت فيها عبر لقاءات تلفزيونية أو كتابات مقالية، تم استضافتي فيها للحديث عن رسالة واهداف و محاور وبرامج مبادرتي ” مصر أمان ونماء “، اشرت فيها الي مثلث الذات لمجتمعنا ووطننا و هويتنا التي دائما ما ننسب مشاعر وعناصر واجراءات غيرتنا عليها الي مصطلح ” الأمن القومي ” ، وهذه الذوات و سأظل اكررها هي ( الذات القومية، الذات الوطنية والذات الشعبية ) التي تعد بحق من أهم المكونات الحضارية الوجودية التي تقيم اقتصادا أو تهدم انتصارا و التي يجب الإحاطة بها وفهمها و رعايتها والحرص في التعامل معها و الحفاظ عليها و العمل علي ابقاءها طاهرة نقية عفية كفؤة قابلة للتطوير والنماء عبر الزمن .

و لمن قد لا يعلم و قبل الحديث عن الأرض و المياه والرمال والأجواء و الحدود والثروات والكنوز وكلها تشكل اركلن اقتصاد اي أمة بدءا من الاستثمار في البشر حتي يكونوا مؤهلين و قادرين علي الهوية وأمانها ونماءها ، فإن مزيج الذات القومية علي وجه الخصوص يشتمل على عناصر اساسية هي الضمير الجمعى والتراثي والعقل الجمعى والطموح البشري والقيم الانسانية والمرجعيات الوطنية التى تجمع الجماهير حول مفهوم نفسي ومنطقى عام تنتج عنه تغييرات وسلوكيات وردود افعال من المفترض ان تكون متناغمة ومتكاملة وليست متباينة.

بعيدا عن فلسفة وجود القومية ، فإن هناك سؤالا مباشرا يطرح نفسه الآن :

هل تحتاج الذات المصرية الي تطهير او تطوير او حتي الي إعادة معالجة حتي نحميها مما قد ألم بذوات من حولها ؟؟؟

أري ان جوهر علمية التطهير هو عبارة عن مزيج من ستة عناصر شديدة التأثير ، صعيبة التحمل يجب ان تتحقق فيها صفات مصطلح ” أدكار ” ADKAR الذي يشير الي خمسة مرتكزات للتغيير تبدأ بالوعي ثم الرغبة تليها المعرفة ويكملها الاستطاعة ويتوجها التعزيز او التبني وكلها تشكل فرض عين علي كل الهيئات المسئولة ان تتبناها وتحمل أمانتها وخصوصا الهيئات والجهات المنوطة بالآمان الفكري وإعلام الجماهير وثقافة المواطنين وتعليم الناشئين و صحة العقول و النفوس و صلاحية المجتمع للبقاء ، لهذا فإن تطهير او علاج او تطوير الذات القومية يحتاج الي وضوح شديد في الرؤية ورصد أمين للواقع حتي يمكن تقبل المزيج السداسي لمحاور تطهير الذات كما أشرت و المكون من العناصر التالية التي من الضرورة الاساراتيحية ان تشتمل عليها كل البرامج التنموية والاعلانية والثقافية والتربوية في تشكيل وصيانة ومعالجة الهوية و الشخصية المصرية وهي علي التوالي : ( الحقيقة كما هى ) ( الصدق مع النفس ) ( الاعتراف بالاخطاء ايا كانت ) ( تحمل مسئولية النتائج ) ( الاستعداد الكامل لاتخاذ خطوات ايجابية ) ( بذل الجهد مهما كان حجمه من اجل اتمام التطهير ) فلا فساد ولا زيغ يمكن ان ينمو وينتشر في ظل هذا المزيج الاستراتيجي المكون للشخصية البشرية المصرية .

لاحظت من سابق خبراتي ان عموم الجمهور قد لايلتزم باكثر من 3 الى 4 من الستة عناصر السابقة الذكر وهذا فى افضل الحالات التى تمثلت فى حدوث طفرة فى الذات الشعبية ساعدت بشكل كبير في حدوث تغيير ايجابى فى الفكر العام ادي الى تطهير الذات القومية من الشوائب وبالتالى يحدث التحول الحقيقي كما حدث فى تجارب معروفة كالتجربة اليابانية والماليزية مع اختلاف الاسباب والظروف.

ايها السادة …من سيقود عملية التطهير وكيف ؟ كيف سيتم تحفيز عنصر الصدق مع النفس ؟ ما هى الية الاعتراف بالخطأ ؟ ما هي التسمية المتوقعة لمن سيتحملون مسئولية النتائج الواقعة بالفعل ؟ كيف ستتم محاسبة المسئول عن النتائج ايا كان من هو ؟ ما هى الاليات الممكنة لبذل جهود التطهير ؟

ان اجابات هذه الاسئلة مجتمعة تساعد فى تشكيل معالم منهج او شكل جديد

ان الفرق بين التطهير والتطوير كبير ولطالما حدث خلط كبير بينهما اثناء مراحل الانتفاض الوطني سواء المخطط او التراكمي ولطالما حدث ايضا صراع حول فض النزاع بين المقصود من كل منهما نتيجة عدم الاتفاق على معايير واضحة للانجاز واساليب تقييمه بالاضافة الى الشوائب النفسية والاجتماعية التى يحدثها الضعف العلمي والتعليمى والاعلامى والتى يمكن ملاحظتها بوضوح فى السلوك العام من الشارع الى الاعلام الى المسئولين وهنا يكمن بيت القصيد حيث ان اى علاج يحتاج الى تطهير قبل واثناء وبعد ، لذا فمن المفترض ان تتم علملية التطهير القبلي اولا والتى من المفترض ايضا انها يجب ان تتم بصورة علمية فى اعدادها ومن ثم في طرحها للجماهير ، لان اول مرحلة في اي علاج يجب ان يسبقها تشخيص لتحديد العلاج ومن ثم اختيار العلاج الانسب للحالة حسب مستوي تقدم او تفاقم المرض وتأثيره عليها .

يقفز بسرعة اجراء هام جدا بين التشخيص واختيار العلاج الانسب ، وهو اعلام المريض بمرضه وحالته ومقترحات علاجه مع التركيز الشديد على كلمة الانسب اى العلاج الانسب لحالته … كل هذا ولم نتطرق حتى الان لقرار ( فرض التغيير ام تعلم التغيير) فالعلاج بالفعل سيكون اجراء التغيير وسيحتاج ادارة واضحة للتغيير و سيحتاج قبلها الى ارادة قوية للتغيير. كيف سيقرر ويتبني المريض قرار العلاج ( التغيير ) ويتحمس له ويلتزم به ويدافع عنه ضد شعور عدم الرغبة فى العلاج والذى من الممكن ان ينتج عن الخوف او عدم القدرة المادية أو الظروف الاجتماعية أو التوقيت المرتبط بمسئوليات العمل وغيره.

ايها السادة …الجمهور العام يحتاج الى علاج للذات القومية ، فالناس كلها وطنيون بصورة نسبية ونوعية ولكن كيف يجتمع الكل حول مفاهيم ومرجعيات محددة تحكمها معايير واضحة ومقنعة للجميع تصوب إلاتهم الفكرية وجودهم العملية نحو هوية يحميها اقتصاد قادر يبدأ بالاستثمار في القيمة.

قد يكون للحديث بقية….