الثلاثاء, 13 يناير 2026, 5:22
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : كيف تغيّرت خريطة الإرهاب محليًا وإقليميًا ودوليًا؟

من المواجهة المسلحة إلى الحرب الشاملة: كيف تغيّرت خريطة الإرهاب محليًا وإقليميًا ودوليًا؟

بقلم : اللواء شريف جمجوم

خبير الشؤون الأمنية 

لم تعد معركة الدولة مع الإرهاب محصورة في ساحات الاشتباك أو العمليات العسكرية المباشرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مواجهة شاملة متعددة الأبعاد، تشمل الأمن والفكر والإعلام والاقتصاد. و يلقي هذا التقرير الضوء علي ملامح هذا التحول، موضحًا كيف تغيّرت أنماط التهديد، وتبدلت أدوات التنظيمات المتطرفة، في ظل متغيرات محلية وإقليمية ودولية متسارعة.

تراجع العنف المسلح وصعود الحرب غير المباشرة

على المستوى المحلي، تشير البيانات إلى تراجع ملحوظ في العمليات الإرهابية المسلحة، وهو ما يُعزى إلى التنسيق الكامل بين القوات المسلحة والشرطة، وتكثيف الضربات الاستباقية التي نجحت في تفكيك البنية التنظيمية للخلايا المتطرفة، لا سيما بعد العمليات الشاملة التي استهدفت بؤر الإرهاب في شمال سيناء.

لكن هذا التراجع لم يعنِ انتهاء التهديد، إذ انتقلت التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، إلى أساليب بديلة أقل كلفة وأكثر تأثيرًا، تعتمد على بث الشائعات، وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي، وإدارة حملات إعلامية موجهة من الخارج، في محاولة لإرباك الرأي العام، واستغلال الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لإثارة السخط الشعبي.

تجفيف منابع التمويل وتشديد الإطار القانوني

في هذا السياق، لعبت التشريعات المنظمة لمصادرة الأموال وتتبع حركة التمويل دورًا حاسمًا في تقليص قدرة التنظيمات على الاستمرار. فقد ساهمت آليات مكافحة غسل الأموال، والتنسيق مع الجهات الرقابية، في كشف مسارات تمويل قادمة من الخارج، كانت تُستخدم لدعم أنشطة تخريبية أو واجهات قانونية تعمل كغطاء سياسي وتنظيمي.

كما ركّزت السياسات الأمنية على مواجهة محاولات اختراق المجال الحزبي أو النقابي، ومنع إعادة تدوير العناصر المتطرفة تحت مسميات جديدة، بما يحافظ على استقرار المشهد السياسي ويمنع توظيفه كمنصة للفكر المتشدد.

إقليميًا: الإرهاب يعيد الانتشار و لا يختفي

إقليميًا، تكشف التطورات أن خسائر التنظيمات الإرهابية في بؤر الصراع التقليدية، مثل سوريا والعراق، لم تؤدِ إلى اختفائها، بل دفعتها إلى إعادة الانتشار في مناطق أكثر هشاشة. فقد وسّع تنظيم داعش نشاطه في ليبيا، وأفغانستان، ومنطقة الساحل الإفريقي، مستفيدًا من ضعف مؤسسات الدولة وانتشار النزاعات المسلحة.

وفي غرب إفريقيا، تصاعد نشاط جماعات متطرفة مثل بوكو حرام، بينما ظل المشهد الليبي ساحة مفتوحة لتحركات التنظيمات العابرة للحدود، ما يفرض تحديات أمنية مباشرة على دول الجوار.

البعد الدولي: الذئاب المنفردة وارتباك المواقف

دوليًا، عاد ملف المقاتلين الأجانب إلى الواجهة، خاصة مع عودة بعض العناصر إلى أوروبا، وتنفيذ عمليات فردية بأسلوب “الذئاب المنفردة”، ما زاد من المخاوف داخل دول الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت الذي اتجهت فيه بعض الدول إلى تشديد تصنيفاتها للتنظيمات المرتبطة بالإخوان، ظل التباين في المواقف الدولية عاملًا معقّدًا في إدارة هذا الملف، خصوصًا في ظل الحسابات السياسية واعتبارات الحريات العامة.

سيناء: الأمن والتنمية في مسار واحد

ويبرز ملف سيناء كنموذج واضح للتحول في فلسفة المواجهة، حيث لم تعد المقاربة الأمنية الصلبة وحدها كافية لضمان الاستقرار طويل الأمد. فالواقع يؤكد أن التنمية الشاملة تمثل خط الدفاع الرئيسي والأكثر استدامة، عبر الاستثمار في البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، ودمج أبناء القبائل في مشروعات إنتاجية وتعليمية، بما يسهم في تجفيف البيئة الحاضنة للتطرف.

خلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية أكثر شمولًا، ترتكز على:

• تطوير أدوات الرصد الإلكتروني ومواجهة المحتوى المتطرف رقميًا.

• تحديث الخطاب الإعلامي ليكون قادرًا على تفكيك الفكر المتشدد، لا الاكتفاء بنقل الحدث الأمني.

• تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية في تبادل المعلومات.

• الاستمرار في الدمج بين الحسم الأمني والتنمية المستدامة، خاصة في المناطق الحدودية.

خلاص المشهد

تؤكد المعطيات أن الإرهاب لم ينتهِ، بل أعاد تشكيل نفسه. فبعد أن خسر قدرته على المواجهة المباشرة، اتجه إلى أساليب أكثر تعقيدًا تعتمد على الإعلام والاقتصاد والحرب النفسية. ومن ثم، فإن نجاح المواجهة لا يقاس فقط بعدد العمليات المحبطة، بل بقدرة الدولة على بناء وعي مجتمعي، وتحقيق تنمية عادلة، وحماية المجال العام من الاختراق.

بهذا المعنى، تتحول المعركة مع الإرهاب من صراع أمني مؤقت إلى مشروع وطني طويل الأمد، عنوانه الاستقرار، وأداته الوعي، وهدفه حماية الدولة والمجتمع معًا