السبت, 21 فبراير 2026, 19:26
نافذة الرأى

اللواء شريف جمجوم يكتب : سدّ النهضة ..أزمة وجودية وتوصيات لا تحتمل التأجيل

سدّ النهضة… أزمة وجودية وتوصيات لا تحتمل التأجيل

بقلم اللواء : شريف جمجوم

الخبير الأمنى والاستراتيجي

لم تعد أزمة سدّ النهضة مجرد ملف تفاوضي بين دول حوض النيل، بل تحولت إلى قضية أمن قومي تمسّ حياة كل مواطن في مصر، في ظل اعتماد شبه كامل على مياه نهر النيل، ومحدودية البدائل المائية التقليدية.

الدراسة المعنونة «إدارة مصر لأزمة سد النهضة – مدخل علمي» تطرح قراءة هادئة وعميقة للأزمة، وتؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السد ذاته، بل في طريقة إدارته وتشغيله دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، وفي مقدمتها مصر.

من مشروع تنموي إلى أزمة إقليمية

تُصرّ إثيوبيا على تقديم سد النهضة باعتباره مشروعًا لتوليد الكهرباء، غير أن سعته التخزينية الضخمة تثير مخاوف حقيقية لدى السودان ومصر، خاصة خلال فترات الجفاف والملء السريع، بما قد يؤدي إلى تقليص حصص المياه وتهديد الزراعة والأمن الغذائي.

كلفة الأزمة على الداخل المصري

تحذر الدراسة من أن استمرار الوضع الحالي دون اتفاق عادل قد يترتب عليه:

تراجع الرقعة الزراعية وبوار مساحات واسعة من الأراضي

فقدان ملايين فرص العمل في القطاع الزراعي

ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الاستيراد

ضغط إضافي على الموازنة العامة وارتفاع معدلات الفقر

وهي نتائج، إن تحققت، ستتجاوز آثارها الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي.

التوصيات: خريطة طريق للخروج من الأزمة

تركّز الدراسة على مجموعة من التوصيات العملية التي ترى أنها تمثل الحد الأدنى لحماية الأمن المائي المصري:

أولًا: تدويل الأزمة بفاعلية

توصي الدراسة بضرورة نقل ملف سد النهضة إلى المحافل الدولية بشكل منظم ومدروس، مع شرح الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتوقعة، وعدم الاكتفاء بالمسار الإفريقي وحده.

ثانيًا: استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي

تشدد الدراسة على أهمية توظيف:

العلاقات السياسية والاقتصادية لمصر

الشراكات الإقليمية والدولية

دور الدول الصديقة والوسطاء

للضغط على إثيوبيا للعودة إلى اتفاق ملزم بشأن الملء والتشغيل.

ثالثًا: اللجوء إلى التحكيم الدولي عند تعنّت المفاوضات

في حال استمرار الجمود، توصي الدراسة بالتوجه إلى التحكيم الدولي أو مجلس الأمن، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي للأنهار والاتفاقيات المنظمة للأنهار العابرة للحدود.

رابعًا: إعادة هيكلة فريق التفاوض

تؤكد الدراسة ضرورة إسناد الملف إلى فريق تفاوض متخصص يضم خبراء في:

القانون الدولي

الموارد المائية

الدبلوماسية الاستراتيجية

الهندسة الهيدرولوجية

بعيدًا عن الارتجال أو المعالجات السياسية قصيرة الأجل.

خامسًا: الاستعداد لأسوأ السيناريوهات

توصي الدراسة بعدم رهن مستقبل البلاد بنتائج التفاوض فقط، بل:

التوسع في تحلية مياه البحر

تعظيم كفاءة استخدام المياه

تطوير نظم الري الحديثة

زيادة المخزون الاستراتيجي من المياه

سادسًا: رفع الوعي المجتمعي

تختتم الدراسة بالتأكيد على أن المعركة الحقيقية تبدأ من الداخل، عبر نشر ثقافة ترشيد المياه، واعتبارها قضية وطنية تتطلب تضافر الدولة والمجتمع.

خلاصة

تؤكد الدراسة أن أزمة سد النهضة ليست أزمة عابرة، بل اختبار طويل الأمد لقدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي.

والرسالة الأهم:

حماية حصة مصر من مياه النيل لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل برؤية شاملة تجمع بين الدبلوماسية، والقانون، والتنمية، والوعي الشعبي.