العلا / أيمن الشندويلي
تنطلق اليوم فعاليات أهم مؤتمر إقتصادي لدول الشرق الأوسط والبلدان النامية وهو مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة بنسخته الثانية بالمملكة العربية السعودية والتى تنظم المؤتمر مع صندوق النقد الدولي.
ويحظي المؤتمر بمشاركة قوية ورفيعة المستوى من وزراء المالية والإقتصاد ومحافظو البنوك وخبراء الاقتصاد من مختلف دول العالم .
تسعى جميع الحكومات، في مختلف الاقتصادات، إلى جذب الاستثمارات طويلة الأجل، بوصفها استثمارات مستقرة تسهم في تحقيق عوائد مستدامة للمستثمرين، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتبقى لفترات مؤثرة تعود بالنفع على الأسواق التي تستقر فيها وتستفيد منها.
ويتحول هذا التوجه في اقتصادات الأسواق الناشئة إلى هدف إستراتيجي لا يمكن تحقيقه إلا عبر تكريس الثقة في قدرتها على توفير فرص نمو حقيقية، مدفوعة بالصعود الاقتصادي والتطور التكنولوجي، مع العمل على تقليل مخاطر تقلبات العملة والتضخم والصدمات الخارجية، أو التحكم بها قدر الإمكان، ويتطلب ذلك من هذه الدول تنفيذ إستراتيجيات متنوعة، وتحقيق التوازن في أسواقها، بما يتيح الاستفادة من عوائد مستمرة للاستثمارات طويلة الأجل، وتجاوز التحديات الاقتصادية الكلية.
مزايا ومخاطر الأسواق الناشئة
يدرك المستثمرون الكبار أن فرص الاستثمار في الأسواق الناشئة تحمل مزايا متعددة، من بينها العوائد المرتفعة، إذ سجلت هذه الأسواق أداءً قويًا خلال العام 2025م، ووفرت عوائد جذابة للمستثمرين، كما تستند هذه الاقتصادات إلى عوامل نمو مهمة، مثل النمو السكاني، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، ما يدعم الاستثمارات طويلة الأجل في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية، إضافة إلى ذلك، تتميز الأسواق الناشئة بتقييمات جاذبة، إذ غالبًا ما تكون أسهمها مقومة بأقل من قيمتها مقارنة بالأسواق المتقدمة، ما يوفر فرص تنويع للمحافظ الاستثمارية العابرة للقارات.
وفي المقابل، يُدرك المستثمرون التحديات والمخاطر المرتبطة بهذه الأسواق، ومن أبرزها تقلبات الاقتصاد الكلي، إذ تواجه بعض الاقتصادات الناشئة تذبذبات حادة في معدلات التضخم وأسعار الفائدة وأسعار الصرف، ما يؤثر في قيمة الأصول المحلية، كما تختلف قدرة هذه الاقتصادات على تحمل الصدمات الخارجية، إذ يمكن لانخفاض أسعار السلع الأساسية أو الاضطرابات الجيوسياسية أن يؤثر في استقرارها، ويظل تأثير ما يُعرف بـ«الأموال الساخنة» من أبرز المخاطر، حيث قد تؤدي التدفقات الكبيرة والسريعة إلى تقلبات حادة في أسواق الأسهم وأسعار الصرف.
وفي هذا السياق، تبقى الثقة العامل الحاسم، حتى في ظل ما يصاحب الاستثمار من مغامرة ومخاطرة محسوبة، وتسعى اقتصادات الأسواق الناشئة إلى تعزيز مزاياها وتقليل أثر المخاطر عبر تبني سياسات وإجراءات متعددة، وتبادل الخبرات والتجارب، والعمل على إيجاد أرضيات مشتركة لحلول مستدامة، وقد طُرحت بعض هذه القضايا للنقاش خلال مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، الذي نظمته واستضافته المملكة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في دورته الأولى خلال العام 2025م، فيما تبحث الدورة الثانية للمؤتمر، التي تُعقد في مرحلة تتزايد فيها أهمية الثقة واستقرار السياسات، عن تعزيز هذه الجهود لجذب الاستثمارات طويلة الأجل.
نظرة جديدة للمستثمرين
اعتاد المستثمرون تصنيف الأسواق الناشئة وفق تقسيمات تقليدية، تشمل الاقتصادات الكبرى مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا، إلى جانب اقتصادات ناشئة أخرى كالمكسيك وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وتركيا والسعودية، إضافة إلى اقتصادات ناشئة متوسطة أو صغيرة لا تزال بعيدة نسبيًا عن اهتمام المستثمرين.
إلا أن نظرة عدد من المستثمرين بدأت تتغير، حيث باتوا ينظرون إلى بعض الأسواق الناشئة بوصفها خيارات آمنة استثمارية جديدة، خاصة تلك التي أظهرت استقلالية ومصداقية في صنع السياسات، وانضباطًا نقديًا أسهم في زيادة الإقبال على ديون العملات المحلية، وقد حققت بعض هذه الأسواق عوائد قاربت 18% خلال العام 2025م، مع توقعات بإمكانية تسجيل عوائد مزدوجة الرقم في العام 2026م.
ويعتقد بعض المستثمرين أن أداء بعض الأسواق الناشئة تفوق على نظيره في الأسواق المتقدمة، إذ ارتفعت إصدارات الاقتصادات الناشئة بالعملة المحلية بنسبة 13% خلال العام 2025م، بينما ارتفعت السندات المقومة بالدولار بأكثر من 8%، وفقًا لمؤشرات «بلومبرج »، مقارنة بارتفاع ديون الأسواق المتقدمة بنسبة 6.5%.
ووفقًا لمقياس «جيه بي مورجان»، انكمش العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بديون الأسواق الناشئة مقارنة بسندات الخزانة الأميركية المماثلة إلى متوسط 298 نقطة أساس، مقتربًا من أدنى مستوياته منذ العام 2019م، ما أسهم في زيادة إقبال المستثمرين العالميين على بعض الإصدارات الجديدة، مثل الصكوك السعودية وسندات صندوق الثروة السيادية التركي، وغيرها.
الثقة تقود المستثمرين
ويسعى المشاركون في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة إلى تعزيز الإجراءات والإصلاحات التي ترفع مستويات الثقة في هذه الاقتصادات، إذ يعتمد العديد من المستثمرين على مؤشرات الثقة المعروفة قبل اتخاذ قراراتهم الاستثمارية، من بينها مؤشر ثقة الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن شركة «كيرني»، ويُعد هذا المؤشر تقييمًا سنويًا يحدد الأسواق الأكثر جذبًا للاستثمار الأجنبي خلال السنوات الثلاث المقبلة، استنادًا إلى استطلاعات رأي لكبار المديرين التنفيذيين حول جاذبية الدول الاستثمارية.
ويعتمد مؤشر «كيرني» على مسح سنوي لآراء كبار المسؤولين التنفيذيين في أكبر ألف شركة عالمية، بهدف تقييم نية الاستثمار المباشر في الأسواق الناشئة والمتقدمة، وتحليل عوامل الجذب الرئيسية، وفي مقدمتها الاستقرار الاقتصادي، وتحسن بيئة الأعمال، وقوة النظام القضائي، وتطور البنية التحتية.
وفي هذا السياق، قفزت المملكة العربية السعودية إلى المرتبة 13 عالميًا في العام 2025م، مدفوعة بارتفاع الثقة في مناخها الاستثماري، وهو ما يعكس نجاح جهود تنويع الاقتصاد ضمن رؤية السعودية 2030.
وتطمح المملكة، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، إلى تعزيز مؤشرات الثقة في الأسواق الناشئة ، عبر تشجيع الدول على تبني عوامل الجذب الاستثمارية ضمن خططها للإصلاحات المالية والاقتصادية، وجعلها جزءًا أصيلًا ومستدامًا من سياساتها العامة، بما يسهم في جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل إلى أسواقها.

